يا نَفْسُ: إِنَّ غَرَضَ الحَقِّ وَقَضاءَ العَقْلِ أَنْ تَكُونَ الأَشْياءُ عَلَى تَرْتِيبِها الطَبِيعِيِّ ثابِتَةً، فَإِذا كانَتْ كَذٰلِكَ فَما أَحْسَنها وَأَجْمَلَها وَأَعْدَلَها، وَذٰلِكَ كَالصانِعِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُ آلَتَهُ وَلَيْسَ آلَتَهُ الَّتِي تَكُونُ مُسْتَعْمِلَةً لَهُ، وَكَالفَارِسِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُدَبِّرَ الفَرَسِ وَيُجْرِيَهُ وَيُرَوِّضَهُ لَا أَنْ يَكُونَ الفَرَسُ يُدَبِّرُ الفَارِسَ وَكَالسُلْطانِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُدَبِّرُ الرَعِيَّةِ وَالسائِسِ لَهَا، لا أَنْ تَكُونَ الرَعِيَّةُ تُدَبِّرُهُ وَتَسُوسُهُ. فَإِذَا خَرَجَتْ هٰذِهِ الأَشْياءُ عَلَى كِيانِها الطَبِيعِيِّ ظَهَرَ الحَقُّ وَالعَدْلُ الحَسْنانِ الجَمِيلانِ، وَإِذا اِنْعَكَسَتْ بِالضِدِّ وَالخِلافِ ظَهَرَ الشَرُّ وَالجَوْرُ القُبِيحانِ الرَدِيئانِ.
يا نَفْسُ: إِنْ كانَ الجَسَدُ بِالنَفْسِ يَحْيا وَبِها يُبْصِرُ وَيَسْمَعُ وَيَشُمُّ، وَيَذُوقُ وَيَلْمِسُ، فَقَدْ وَجَبَ ضَرُورَةٌ بانَ الجَسَدَ آلَةُ النَفْسِ، وَمِنَ القَبِيحِ أَنْ تَكُونَ الآلَةُ تُدَبِّرُ الصَانِعَ وَتَسْتَعْبِدُهُ، فَإِنَّ الصًانِعَ المُدَبِّرَ لِلآلَةِ لَأَنَّ الجَاهِلَ إِذا اِتَّخَذَ آلَةً وَأَشْتَغَلَ بِتَزْيِينِها وَتَزْوِيقِها وَتَرْفِيهِها عَنْ اِسْتِعْمالِها وَالاِكْتِسابِ بِها، ثُمَّ تَحْمِلَهُ عَلَى عِبادَتِهِ لَها، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الحَقُّ باطِلًا والعَدْلُ جَوْرًا، وَالحُسْنُ الجَمِيلُ قَبِيحًا سَمِجًا، إِذْ يَصِيرُ الحَيُّ البَصِيرُ السَمِيعُ العاقِلُ الشَرِيفُ عَبْدًا لِلمَيِّتِ الأَعْمَى الأَصَمِّ الجاهِلِ الخَسِيسِ.




