مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 68 من 81

الفَصْلُ الثالِثَ عَشَرَ

يا نَفْسُ: يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمِي وَتَتِيقَّنِي إِنَّ حَدَّ اللَذَّةِ بِالحَقِيقَةِ هُوَ مَا لَا يَمَلُّ وَمَتَى طَلَبَتْ النَفْسُ وَهِيَ فِي عالَمِ الطَبِيعَةِ لَذَّةً فَقَدْ سَمَتْ إِلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ وَطَلَبَتْ مَا لَا يُمْكِنُ.

وَالدَلِيلُ البَيِّنُ عَلَى هٰذا: إِنَّ جَمِيعَ مَا تُشَافِهَهُ النَفْسُ فِي هٰذِهِ الدُنْيا مَمْلُولٌ، وَالمَمْلُولُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى لَذَّةً إِذْ كانَ حَدُّ اللَذَّةِ مَا لَا يُمَلُّ، أَوَمَا تَنْظُرِينَ يا نَفْسُ إِلَى أَكْثَرِ أَهْلِ الدُنْيا كَيْفَ يَبْحَثُونَ فِي طَلَبِ اللَذّاتِ وَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّها مَوْجُودَةٌ فِي الدُنْيا وَلَيْسَ هِيَ بِمَوْجُودَةٍ. فَتَبَيَّنِي إِنَّ الناسَ يَطْلُبُونَ فِي الدُنْيا ما لَيْسَ فِيها.

يا نَفْسَ: تَأَمَّلِي نُفُوسَ الناسِ كَيْفَ تَرِدُ إِلَى مَعانِي الدُنْيا كُلِّها فَتُشافِهُهَا مُشافَهَةَ ذائِقٍ مُخْتَبِرٍ، ثُمَّ تَصُدُّ عَنْهَا صُدُودَاً كَالْضَجِرِ مِنْهَا، وَهٰذا مِنْ أَوْضَحِ الدَلائِلِ عَلَى إِنَّ النُفُوسَ إِنَّمَا تَبْحَثُ فِي هٰذِهِ الدُنْيا وَتَطْلُبُ مَنْزِلَةً تُوازِي شَرَفَهَا وَتُضاهِي مَعَانِيَهَا فَلَا تُصِيبُ ذٰلِكَ، فَهِيَ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَةٌ تَطْلُبُ ما تُرْضِيهِ، فَمَتَى حَصَلَ فِي النَفْسِ حَقِيقَةُ هٰذَا الشَرْحِ اِقْتَنَتْ الإِيَاسَ وَأَزَالَتْ الطَمَعَ مِنْ مُطالَبَةِ اللَذّاتِ وَهِيَ فِي عالَمِ الكَوْنِ وَالفَسادِ.

الصفحة 68 من 81