مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 67 من 81

يا نَفْسُ: إَنَّهُ لِيَجِبُ عَلَى الصَانِعِ مَتَى وَجَدَ الآلَةَ المَحْمُودَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَكِدَّ وَيَحْرِصَ عَلَى الاِكْتِسابِ وَجَمْعِ الأَمْوالِ وأَنَّ الصَانِعَ إِذا كَثُرَ مالُهُ اِسْتَغْنَى عَنْ العَمَلِ، وَإِذا اِسْتَغْنَى باعَ آلَتَهُ بِالثَمَنِ البَخْسِ وَاِسْتَراحَ مِنْ الكَدِّ وَالتَعَبِ.

يا نَفْسُ: تَلَطَّفِي فِي اِتِّخاذِ الآلَةِ المَحْمُودَةِ فَإِذا وَجَدْتِهَا فَأَحْسِنِي سِياسَتَهَا بِالعَدْلِ وَاُطْلُبِي الكَدَّ وَالاِكْتِسابَ وَالاِقْتِناءَ فَإِذا نِلْتِ الغِنَى وَكَثُرَ مَالُكِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَبِيعِي آلَتَكِ بِأَوْكَسِ الثَمَنِ وَفَوْزِي بِما اِكْتَسَبْتَهِ، وَاِنْصَرِفِي مِنْ مَحَلِّ الاِكْتِسابِ.

يا نَفْسُ: اِفْهَمِي عَنِّي قَوْلِي هٰذا بِصِحَّةٍ مِنْكِ، فَإَنَّ العَلِيلَ بِالمَرَّةِ الصَفْراءِ لا يَذُوقُ حَلاوَةَ العَسَلِ وَلا يَجِدُ لَهُ لَذَّةً، بَلْ الصَحِيحُ هُوَ الَّذِي يُدْرِكُ لَذَّتَهُ وَيَذُوقُ حَلاوَتَهُ وَكَذٰلِكَ لَيْسَ يَتَلَذَّذُ بِكَلامِ الحَقِّ إِلَّا مَنْ يُدْرِكُ مَعانِيَهُ وَيَفْطِنُ لَها، بِصِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ.

فَأَمَّا العَقْلُ المَرِيضُ بِالجَهْلِ وَالنِسْيانِ وَالحُزْنِ وَالتَلَذُّذِ وَالخَوْفِ، هٰذِهِ هِيَ الأَمْراضُ العَقْلِيَّةُ، فَإَنَّ مَرَضَهُ يَعُوقُهُ وَيَمْنَعُهُ عَنْ ذَوْقِ الكَلامِ وَالفِطْنَةِ لِمُعَانِيهِ، فَتَمَثَّلِي يا نَفْسُ هٰذِهِ الوَصِيَّةَ وَتُصَوِّرِيهَا بِالحَقِيقَةِ.

الصفحة 67 من 81