فَتَيَقِّنِي يا نَفْسُ: إِنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ الأَشْياءِ المَعْلُومَةِ وَالمَوْجُودَةِ وُجُودًا دائِمًا أَبَدِيًّا خارِجَاً عَنْكِ البَتَّةَ وَإِنَّما الشَيْءُ الخارِجُ عَنْكِ هُوَ ما اِمْتازَ مِنْ كَدَرِكِ وَتَفَلُكِ فِي الاِبْتِداءِ الأَوَّلِ وَهُوَ الشَيْءُ القابِلُ لِلأَعْراضِ الجارِي مَعَ الكَوْنِ، وَلا شَيْءَ آخَرَ يُوجَدُ البَتَّةَ غَيْرُ هٰذا.
فَاِرْجِعِي يا نَفْسُ: إِلَى ذاتِكِ فَاُطْلُبِي جَمِيعَ مَعْلُوماتِكِ فِيكِ لا خارِجًا عَنْكِ وَلا تَخْرُجِي عَنْ ذاتِكِ فَتَرْجِعِي إِلَى كَدْرِكِ تَطْلُبِينَ عِلْمَ ما فِيهِ فَتَقَعِي فِي الاِخْتِلافِ، وَتَتَلاعَبُ بِكِ الأَعْراضُ كَتَلاعُبِ البَحْرُ الهائِجَ بِما فِيهِ مِنَ السُفُنِ ثُمَّ آخِرُ أَمْرِكَ أَنْ لا تَكْسِبِي مِنْهُ خَيْرًا وَلا شَرًّا وَلا يَحْصُلُ مَعَكِ مِنْهُ عِلْمٌ.
فَثِقِي يا نَفْسُ: بِحَقِيقَةِ هٰذا القَوْلِ وَلا تَنْسَيْ الشَيْءَ الَّذِي هُوَ مَعَكِ وَتَمْضِينَ تَطْلُبِينَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإَنَّ جَمِيعَ ما يَنْبَغِي أَنْ تَعَلَمَهُ النَفْسُ هُوَ فِي النَفْسِ بِلا غِيارٍ وَلا غَيْرِيَّةٍ مِنَ النَفْسِ بَلْ إِنَّمَا العَرْضُ مِنَ الحِسِّ الَّذِي هُوَ الجَسَدُ.
یا نَفْسُ: إِنَّ آلَةَ الصانِعِ إِذا خَلِقَتْ، أَوْ كانَتْ مُنْتَقِضَةً لا هِنْدامَ لَها، فَما أَقَلَّ مَنْفَعَتَهُ بِهَا، وَمَا أَقَلَّ جَدْوَاهَا عَلَيْهِ وَتَرْكُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ اِسْتِعْمَالِهِ لَهَا وَاِسْتِبْدَالَهِ بِها أَصْلَحَ مِنْ شُحِّهِ عَلَيْها.




