أَسْفَلِها عالَمُ الكَوْنِ وَالفَسادِ اِسْوَدٌّ مُظْلِمٌ، وَهُوَ يَلُوْحُ مِنْهَا كَمَا يَلُوحُ الحَجَرُ الأَسْوَدُ فِي المَاءِ الصَافِي، فَقَامَ لَكِ أَنْ تَدْخُلِيهِ لِتَخْتَبِرِيهِ وَتُعَلِّمِي عِلْمَهُ فَلَمَّا عَزَمْتِ عَلَى ذٰلِكَ خَرَجْتِ عَنْ رُتْبَةِ التَوْحِيدِ، وَنَزَلْتِ إِلَى رُتْبَةِ الاِشْتِراكِ وَمَضَيْتِ مَعَ الحَرَكَةِ تَطْلُبِينَ ما هُوَيْتُهُ، فَصِرْتِ إِلَى عالَمِ الكَوْنِ وَكانَ مِثْلَكِ فِي خُرُوجِكِ مِنْ عالَمِ الوَحْدَةِ إِلَى عالَمِ المُرَكَّبَاتِ وَرَغْبَتُكِ وَشَرَهُكِ كَالطائِرِ القاصِدِ إِلَى الفَخِّ لِيَسْلُبَهُ حَبَّتَهُ فَسَلَبَهُ الفَخُّ المَنْصُوبُ مُهْجَتَهُ أَوْ كَالسَمَكَةِ الَّتِي فِي الماءِ أَرادَتْ أَنْ تَبْلَعَ طُعْمَ الصَيّادِ فَبَلَعَها الصَيّادُ.
فَأَنْتَ يا نَفْسُ شافَهْتِ بِنُورِكِ وَصَفائِكِ عالَمَ الظُلْمَةِ وَمازَجْتِهِ فَأَغْشَى نُورَكِ وَأَظَلَمَهُ، وَأَعْماكِ وَأَخْفَى عَنْكَ جَمِيعَ مَعْلُوماتِكِ وَما كُنْتِ تُبْصِرِينَهُ وَبَقِيتِ أَسِيرَةً رَهِينَةً.
يا نَفْسُ: هٰذا كُلُّهُ بِخَطَئِكَ القَدِيمِ، وَلٰكِنْ مَتَى آثَرْتِ الرُجُوعَ يا نَفْسُ فَاِقْصِدِي الأَشْياءَ الضارَّةَ الَّتِي كانَتْ لَكِ فِي الطَبِيعَةِ فَاِنْسَلِخِي مِنْهَا وَتُنَقِّي فَإِنَّ نَقاءُكِ مِنْهَا هُوَ سَبَبُ خَلاصِكِ وَرُجُوعِكِ وإِنِّي لَأَجْمَعُ لَكِ هٰذِهِ الأَشْياءَ كُلَّها فِي مَعْنىً واحِدَاً لِيَسْهُلَ عَلَيْكِ عِلْمُهَا فَإِنَّ هٰذِهِ الأَشْياءَ كُلَّهَا يَجْمَعُهَا مَعْنىً واحِدٌ وَهُوَ: التَلَذُّذُ الجِسْمانِيُّ. فَكُلُّ ما وَجَدْتِهِ لَذِيذًا بِالجَسَدِ فَاُتْرُكِيهِ وَاحْذَرِيهِ، وَكُلُّ مَا وَجَدْتِهِ لَذِيذًا بِالعَقْلِ فَخُذِيهِ وَاِسْتَعْمِلِيهِ.




