المَصائِبِ فَدَخَلَهَا وَقَدْ كانَ لَهُ بُدٌّ مِنْ دُخُولِها، وَأَعْظَمُ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ قَدْ حُذِّرَ مِنْها فَلَمْ يَحْذَرْ، وَقَدْ خُوِّفَ مِنْهَا فَلَمْ يَخَفْ وَنُصِحَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَشَهْوَتَهُ.
يا نَفْسُ: أَلَيْسَ وَأَنْتِ خارِجَ السِجْنِ كُنْتِ تُبْصِرِينَ الأَشْياءَ وَتَسْمَعِينَ الأَخْبارَ، فَلَمَّا دَخَلْتِ إِلَى السِجْنِ خَفِيَ ذٰلِكَ كُلُّهُ عَنْكِ وَصِرْتِ مَسْجُونَةً أَسِيرَةً تَتَشَوَّقِينَ إِلَى خَبَرٍ.
فَتَأَمَّلِي يا نَفْسُ: كَيْفَ إِنَّ العَقْلَ كُلَّمَا جَرَى مَعَ التَرْكِيبِ فارَقَ الفَرْدَانِيَّةَ وَفارَقَ أَيْضًا الإِدْرَاكَ الفَرْدَانِيَّ الَّذِي هُوَ إِدْراكُ الحَقِّ وَاللَذَّةِ بِالحَقِّ وَالعِلْمِ بِالحَقِّ، وَكُلَّمَا رَجَعَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ التَوْحِيدِ وَفارَقَ التَرَكِيبَ وَالاِشْتِراكَ أَدْرَكَ الأَشْياءَ الفارِدَةَ الأَبَدِيَّةَ وَعَدِمَ المُرَكَّبَةَ الزَمَنِيَّةَ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هٰذا الشَرْحِ إِنَّ حَياةَ النَفْسِ فِي مُفارَقَتِها عالَمَ الطَبِيعَةِ، وَإَنَّ مَوْتَهَا وَطُولَ عَذابِهَا اللُبُوثُ فِيهِ تَسْمَعِينَهُ، وَتَتَشَوَّقِينَ إِلَى عِلْمٍ تُدْرِكِينَهُ وَتُبْصِرِينَهُ فَما الَّذِي حَمَلَكِ عَلَى دُخُولِكِ إِلَى السِجْنَ أَلَيْسَ هٰذا كُلُّهُ بِخَطَئِكِ؟
یا نَفْسُ: قَدْ كُنْتِ وَأَنْتِ فِي عَالَمِ الوَحْدَةِ غَنِيَّةً مُبْصِرَةً عالِمَةً تُبْصِرِينَ العَوالِمَ كُلَّها مُحَضَّرَةٌ بَيْنَ يَدَيْكِ وَهِيَ كُلُّها صافِيَةً نَيِّرَةً مُضِيئَةً مُشِفَّةً وَفِي




