وَإِنَّمَا يُصَوِّرُ العَقْلُ ذاتَهُ لِذاتِهِ فِي الهَيُولَى ثُمَّ يَنْظُرُ بِذَاتهُ إِلَى مَعانِي ذاتِهِ وَصُوَرِها فَيَلْتَذُّ بِذٰلِكَ إِعْجابًا مِنْهُ بِذاتِهِ لا بِشَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ، وَلا بِعَرْضٍ عارِضٍ بَلْ مِنْ ذاتِهِ لِذاتِهِ، وَهٰذِهِ هِيَ اللَذَّةُ الحَقُّ الدائِمَةُ الأَبَدِيَّةُ(1).
يا نَفْسُ: تَيَقَّنِي واِقَتْنِي مَعْرِفَةَ الأَشْياءِ بِآنِيَّاتِها وَماهِيَّاتِها وَلا تَحْفَلِي بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيّاتِها وَكَمِّيّاتِها، لانَ المَطْلَبَيْنِ الأَوَّلِيَّيْنِ بِسِيطانِ أَزَلِيّانِ وَلا وَسِيطَ بَيْنَ النَفْسِ وَبَيْنَهُما، وأَنَّ المَطْلَبَيْنِ الآخَرَيْنِ مُرَكَّبَانِ زائِلانِ زَمَنِيّانِ مَكانِيّانِ.
وَاِعْلَمِي يا نَفْسُ: إِنَّ عِلْمَ التَرْكِيبِ لَنْ يَنْفَصِلَ مَعَكِ مُجَرَّدًا مَحْمُولًا فِي ذاتِكَ عِنْدَ مُفارَقَتِكَ الحِسَّ فَخِذِي عِلْمَ البَسِيطِ وَذَرِيْ عِلْمَ المُرَكَّبِ.
يا نَفْسَ: هٰذا جُرْمُ الأَرْضِ هُوَ أَثْقَلُ الأَشْياءِ كُلَّها، وَذٰلِكَ لِرُسُوبِهِ تَحْتَ سائِرِ الأَشْياءِ وَطَفُوا سائِرِ الأَشْياءِ كُلِّها عَلَيْهِ، وَلِذٰلِكَ صارَ هٰذا الجُرْمُ فِي الغايَةِ القُصْوَى مِنَ الكَثافَةِ وَالجَلَافَةِ وَالاِنْحِصارِ وَالكِزازَةِ وَعَدَمِ النُورِ وَالحَياةِ.
ثُمَّ يَتْلُو هٰذا الجِرْمَ مِنْ الأَشْياءُ جُرْمَ الماءِ، وَهُوَ أَلْطَفُ مِنْ الأَرْضِ وَأَصْفَى وَأَشْرَفَ وَأَنْوَرَ وَأَقْرَبَ إِلَى الحَياةِ، ثُمَّ يَتْلُو جُرْمَ الماءُ جُرْمُ الهَواءِ وَهُوَ




