الفَصْلُ الحادِي عَشَرَ
يا نَفْسُ: إِنَّ هٰذا عالَمُ الطَبِيعَةِ قَدْ وَرَدْتِهِ وَاِخْتَبَرْتِهِ، فَهَلْ اِخْتَبَرْتِ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ مُبَصِّراتٍ مُوحِشَةٍ وَمَسْمُوعاتٍ مُفْزِعَةٍ مُبْهَتَةٍ، وَطُعُومٍ مُؤْلِمَةٍ مُضْجِرَةٍ، وَرَوائِحٍ كَرِيهَةٍ مُنْتِنَةٍ وَمَلْمُوساتٍ نَجِسَةٍ دَنِسَةٍ، فَلَمَّا وَرَدْتِ إِلَى هٰذِهِ الأَشْياءَ اِغْتَبَطْتِ بِها إِعْجَابًا وَهَوىً وَعِتْقًا، وَنَسِيْتِ مَعانِيَكِ الذاتِيَّةَ الشَرِيفَةَ فَلَمَّا عَرَفْتِ خَطَأَكِ وَزَلَلَكِ أَرَدْتِ أَنْ تُشْرِك مَعَكِ غَيْرَكِ فِي خَطَأِكِ، وَتُحْيلِي الذَنْبَ عَلَى سِواكِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ يا نَفْسُ لَيْسَ الذَنْبُ إِلّا ذَنْبَ مَنْ جَناهُ وَلَيْسَ الخَطَأُ إِلّا خَطَأَ مَنْ أَخْطَأَهُ.
فَتَلافِي يا نَفْسُ: خَطَأَكِ وَذٰلِكَ فانِكِ كَما وَقَعْتِ فِيمَا تَكْرَهِينَ بِهَواكِ وَشَهْوَتِكِ، فَكَذٰلِكَ تَتَخَلَّصِينَ مِنْهُ بِهَواكِ وَشَهْوَتِكِ.
يا نَفْسُ: كُلُّ مَكْرُوهٍ أَصابَكِ وَأَنْتِ فِي عالَمِ الكَوْنِ فَتَيَقَّنِي إِنَّ سَبَبَهُ وأَصْلَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِكِ، وَمِنْ حَيْثُ خَطَأُكِ وَزَلَلُكِ وَمَتَى تَذَكَّرْتِ ذٰلِكَ ذَكَرْتِهِ وَعَرَفْتِهِ وَمَتَى وَرَدَ وارِدٌ مِنَ المَكارِهِ فَلَمْ تَعْرِفِي سَبَبَهُ وَأَصْلَهُ فَلَا تُحِيلِيهِ عَلَى غَيْرِكِ، بَلْ اِجْعَلِي أَصْلَهُ وَسَبَبُهُ خَطَأَكِ القَدِيمَ الأَوَّلَ الَّذِي قَدْ نَسِيتِهِ، لَأَنَّ مَنْ دَخَلَ إِلَى دَارِ المَصائِبِ وَأَتَاهَا وَأَصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَإَنَّ ذٰلِكَ بِخَطَئِهِ إِذَا أَتَى إِلَى دَارِ




