دُونَ أَنْ يُفْرِدَ مَعانِيَهُ وَيُمَيِّزَهَا وَيَنْزِعَ كُلَّ جِنْسٍ مِنْها فَيَجْعَلَهُ فارِدًا بِذَاتِهِ، ثُمَّ حِينَئِذٍ يُدْرِكُ مَعانِيَهُ كُلَّها عَلَى الاِنْفِرادِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ إِنَّ الحِسَّ الَّذِي هُوَ الشَيْءُ المُرَكَّبُ يُدْرِكُ المُرَكَّبَاتِ، وإِنَّ العَقْلَ الَّذِي هُوَ الفارِدُ البَسِيطُ يُدْرِكُ الأَشْياءَ البَسِيطَةَ الفارِدَةَ.
فَتَأَمَّلِي يا نَفْسُ: كَيْفَ إِنَّ العَقْلَ كُلَّمَا جَرَى مَعَ التَرْكِيبَ فَارَقَ الفَرْدانِيَّةَ، وَفارَقَ أَيْضًا الإِدْراكَ الفَرْدانِيَّ الَّذِي هُوَ إِدْراكُ الحَقِّ وَاللَذَّةِ بِالحَقِّ وَالعِلْمِ بِالحَقِّ، وَكُلَّما رَجَعَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ التَوْحِيدِ وَفارَقَ التَرْكِيبَ وَالاِشْتِراكَ أَدْرَكَ الأَشْياءَ الفارِدَةَ الأَبَدِيَّةَ وَعَدِمَ المَرْكَّبَةَ الزَمَنِيَّةُ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هٰذا الشَرْحِ إِنَّ حَياةَ النَفْسِ فِي مُفارَقَتِها عالَمَ الطَبِيعَةِ، وَإِنَّ مَوْتَهَا وَطُولَ عَذَابِهَا اللُبُوثُ فِيهِ(1).




