طَبْعِها لِأَنَّ شَجَرَةَ الكَرْمِ لا تُثْمِرُ إِلَّا عِنَبًا، وَشَجَرَةُ البَلُّوطِ لا تُثْمِرُ إِلَّا بُلُوطًا فَكَيْفَ يَكُونُ يا نَفْسُ غارِسُ شَجَرَةِ الخَيْرِ يَسْتَثْمِرُ غَيْرَ الخَيْرِ وَغارِسُ شَجَرَةِ الشَرِّ يَسْتَثْمِرُ غَيْرَ الشَرِّ؟
فَقَدْ أَتَّضَحَ ضَرُورَةً وَتَبَيَّنَ حِسًّا وَعَقْلًا إِنَّ الشَيْءَ لا يَلِدُ وَلا يُثْمِرُ إِلّا نَوْعَهُ وَشَكْلَهُ، وَإِلّا فَمَتَى رَأَيْتَ حِمارًا قَطُّ يُنْتِجُ إِنْسانًا أَوْ إِنْسانًا يُنْتِجُ فَرَسًا.
فانْ يَكُنُّ يا نَفْسُ: قَدْ أَتَّضَحَ لَكِ هٰذِهِ المَعانِي، فَاُطْلُبِي العِلْمَ بِحَقائِقِ الأَشْياءِ وَاِفْعَلِي الخَيْرَ وَاِغْرِسِي شَجَرَتَهُ لِيَنْجَلِيَ بَصَرَكِ فَتَسْتَثْمِرِي مِنْ عِلْمِكِ عَمَلًا، وَمِنْ فِعْلِكِ الخَيْرَ خَيْرًا وَمِنْ اِسْتِبْصارِكِ تَبَصُّرًا وَنُورًا وَهِدايَةً، فَتَكْتَسِبِي بِذٰلِكَ المَحَلَّ الأَعْلَى، وَتَسْتَكْمِلِي السَعادَةَ الدائِمَةَ وَالراجِحَةَ الأَبَدِيَّةَ.
يا نَفْسُ: تَمَثَّلِي بِالتَوَهُّمِ مُفارَقَةَ الحَواسِّ الخَمْسِ ثُمَّ اُنْظُرِي بَعْدَ ذٰلِكَ هَلْ أَنْتِ مُدْرِكَةٌ شَيْئًا غَيْرَ ما كُنْتَ مُدْرِكَةً لَهُ بِالحَواسِّ فَإِنْ وَجَدْتِ إِدْراكَ شَيْءٍ غَيْرَ ما كُنْتِ مُشاهَدَةً لَهُ بِالحَواسِّ فَقَدْ آنَّ رُجُوعَكِ إِلَى وَطَنِكِ وَوُقُوعَكِ عَلَى أَرَبِكِ، وَذٰلِكَ إِنَّ العَقْلَ إِذا أَرادَ إِدْراكَ شَيْءٍ ما أَفْرَدَهُ عَمَّا سِواهُ وَاِنْتَزَعَهُ مِمَّا قارَنَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ إِدْرَاكًا فَارِدًا بِذَاتِهِ الفَارِدَةِ، لِأَنَّهُ كَما إِنَّ الحِسَّ لا يُدْرِكُ شَيْئًا فارِدًا، فَكَذٰلِكَ العَقْلُ لا يُدْرِكُ شَيْئًا مُرَكَّبًا وَلا يَعْلَمُهُ عِلْمًا عَقْلِيًّا




