مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 56 من 81

فَإِذا أَنْتَ تَمَحَّضْتِ يا نَفْسُ مِنْ جَرَبِكِ وَصَدَئِكِ فَحِينَئِذٍ يَتَأَحَّدُ فِعْلُكِ بِغَيْرِ اِشْتِرَاكٍ وَلا نِفاقٍ، فَتَكُونِينَ إِمَّا راغِبَةً فِي الشَقاءِ وَالأَحْزَانِ بِالحَقِيقَةِ، زاهِدَةً فِي النَعِيمِ وَالسُرُورِ بِالحَقِيقَةِ وَأَمَّا راغِبَةً فِي النَعِيمِ وَالسُرُورَ بِالحَقِيقَةِ زاهِدَةً فِي الأَحْزَانِ وَالشَقَاءِ بِالحَقِيقَةِ فَاِعْمَلِي يا نَفْسُ بِهٰذِهِ الوَصِيَّةِ تَوَفَّقِي لِلسَعادَةِ وَتُرْشِدِي إِلَى النَجاةِ، وَتَهْتَدِي إِلَى الإِصابَةِ فَتَسْتَثْمِرِي جَمِيلَ الثَوابِ وَحُسْنَ العاقِبَةِ.

يا نَفْسُ: تَيَقَّنِي أَوَّلًا إِنَّ المَوْتَ الطَبِيعِيَّ لَيْسَ هُوَ شَيْئٌ غَيْرَ غَيْبَةِ النَفْسِ عَنْ الجَسَدِ، فَإِذا تَقَرَّرَ هٰذا فِي عِلْمِكِ فَتَمَثَّلِي إِنَّ الرَجُلَ الحَكِيمَ العالِمَ هُوَ حَكِيمٌ عالِمٌ عِنْدَ حُضُورِهِ وَهُوَ حَكِيمٌ عالِمٌ عِنْدَ مَغِيبِهِ، لَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ أَيْنَما تَوَجَّهَ وَأَيْنَما سَلَكَ.

فَتَنْبَهِي يا نَفْسُ: إِلَى هٰذا المَعْنَى وَاِقْتَنِيهِ، وَتَيَقَّنِي أَيْضًا بِأَنَّ غارِسَ شَجَرَةِ الخَيْرِ وَغارِسُ شَجَرَةِ الشَرِّ مُخْتَلِفٌ بَيْنَهُما لِأَنَّ شَجَرَةَ الخَيْرِ لا تُثْمِرُ إِلَّا خَيْرًا وَشَجَرَةُ الشَرِّ لا تُثْمِرُ إِلّا شَرًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ فَشَجَرَةُ الخَيْرِ إِذَنْ تُثْمِرُ شَرًّا وَشَجَرَةَ الشَرِّ تُثْمِرُ خَيْرًا فانَ كانَ هٰذا هٰكَذا وَكانَتْ الشَجَرَةُ تُثْمِرُ غَيْرَ ما فِي طَبْعِها فَقَدْ يَنْبَغِي لِغارِسِ شَجَرَةِ الكَرْمِ أَنْ يَسْتَثْمَرَ مِنْها البَلُّوطُ، وَلِغارِسِ شَجَرَةِ البَلُّوطِ أَنْ يَسْتَثْمَرَ مِنْها العِنَبَ، وَلَسْنا نَرَى شَجَرَةً تُثْمِرُ غَيْرَ ما فِي

الصفحة 56 من 81