الفَصْلُ العاشِرُ
يا نَفْسُ: إِنِّي لَأَتَأَمَّلُ حالَكِ فَيَطُولُ تَعَجُّبِي مِنْهُ تُظْهِرِينَ بِالقَوْلِ اِنَّكِ زاهِدَةٌ فِي الشَقاءٍ وَالأَحْزانِ وَأَنْتَ بِالفِعْلِ راغِبَةٌ فِيها، وَمُلازِمَةٌ لَهَا وَمُغابِطَةٌ لِأَهْلِهِا عَلَيْهِا، وَتَظْهَرِينَ بِالقَوْلِ اِنَّكِ راغِبَةٌ فِي النَعِيمِ وَالسُرُورِ، وَأَنْتِ بِالفِعْلِ زاهِدَةٌ فِيهِمَا وَمُنْحَرِفَةٌ عَنْهُما وَمُسْتَوْحِشَةٌ مِنَ الطَرِيقِ إِلَيْهِمَا.
وَهٰذَا يَا نَفْسُ: فِعْلٌ مُخْتَلِفٌ وَالفِعْلُ المُخْتَلِفُ لا يَظْهَرُ إِلَّا مِنْ فاعِلٍ لَيْسَ بِفارِدٍ وَلا مُتَوَحِّدٍ، بَلْ فِيهِ اِشْتِراكٌ وَتَرْكِيبٌ، لِأَنَّ الشَيْءَ الفارِدَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا فِعْلًا فارِدًا وَلا اِخْتِلافَ فِيهِ، وَالشَيْءُ المُخْتَلِفُ لا يَفْعَلُ إِلّا فِعْلًا مُخْتَلِطًا فَقَدْ تَبَيَّنَ الآنَ يا نَفْسُ إِنَّكِ لَمْ تَتَمَحَّضِي(1) مِنْ غِشِّكِ وَلَمْ تَتَهَذَّبِي مِنْ سُوءِ مُكْتَسَباتِكِ الَّتِي اِكْتَسَبْتِهَا فِي سالِفِ أَدْوارِكَ، فَقَدْ تَبَقَّى فِيكِ جَرَبٌ وَصَدَأٌ هُوَ السَبَبُ فِي اِخْتِلَافِ مَا يَظْهَرُ مِنْ فِعْلِكَ فَإِنْ كَانَ هٰذا الصَدَأُ فِيكِ بِالعَرَضِ السَرِيعِ الزَوالِ فَبادِرِيهِ بِالجَلَاءِ وَالصِقَالِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْكِمَ فِي ذاتِكَ، وَإِنْ كَانَ هٰذا الصَدَأُ فِيكِ مُسْتَحْكِمًا باقِيًا فَعُودِي إِلَى النَارِ فَاِنْسَبِكِي فِيهَا لِتَخْرُجِي مِنْهَا صافِيَةً مَحْضَةً، فَإِنَّ المِرْآةَ ذاتَ الجَرَبِ وَالصَدَأِ الثابِتِ لا يَنْجَحُ فِيها الجَلاءُ وَلا يَنْقَلِعُ صَدَأُها إِلَّا بِالنَارِ وَالسَبْكِ.




