الفَصْلُ التاسِعُ
يا نَفْسُ: إِنَّ مِنْ أَصْعَبِ الأَشْياءِ وَأَشُدَّها اِمْتِناعًا أَنْ تَعْمَلَ صِناعَةُ الصِياغَةِ بِأَداةِ الفَلَاحَةِ، أَوْ صَنْعَةِ النِجَارَةِ بِأَداةِ الخِياطَةِ وَلِكُلِّ صَنْعَةٍ آلَةً لَنْ يَسْتَوِيَ عَمَلُهَا إِلَّا بِهَا لَا بِغَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ عَارِفًا بِجَمِيعِ الصَنائِعِ وَيَسْتَعْمِلُ آلَاتِهَا جَمِيعًا، فَقَدْ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ الخِياطَةَ أَنْ يَرْمِيَ مِنْ يَدِهِ أَداةَ الفَلَاحَةِ، وَيَأْخُذَ لِلخِياطَةِ آلَاتِهَا الَّتِي تَصْلُحُ لَها، وَإِذا أَرادَ أَنْ يَعْمَلَ الفِلَاحَةَ رَمَى مِنْ يَدِهِ آلَةَ الخِيَاطَةِ وَأَخَذَ لِلفَلاحَةِ آلاتِها الَّتِي تَصْلُحُ لَها.
وَكَذٰلِكَ يَا نَفْسُ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُدْرِكَ عَمَلَ الخَيْرِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ يَدِهِ آلَةَ الشَرِّ وَالجَهْلِ، وَهُوَ حُبُّ الدُنْيا وَالرَغْبَةَ فِيها فَمَتَی هَمَمْتِ یا نَفْسُ بِطَلَبِ العِلْمِ وَالخَيْرِ فَدَعِي مِنْ يَدِكَ آلَةَ الشَرِّ كَمَا قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِكِ إِنَّ الصَنِيعَةَ لا تَعْمَلُ إِلَّا بِآلاتِها.
وَخُذِي لِلعِلْمِ وَالخَيْرِ آلاتِهِمَا، فَإَنَّهُ مَتَى عَمِلْتِهِمَا بِآلَاتِهِمَا عَمِلاَ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا نَصْبٍ، وَمَتَى كانَ بِيَدِكِ آلَةُ الشَرِّ وَأَرَدْتِ أَنْ تَعْمَلِي الخَيْرَ اِمْتَنَعَ ذٰلِكَ عَلَيْكِ وَصَعُبَ، كَمَا اِمْتَنَعَ عَلَى مَنْ كَانَ بِيَدِهِ آلَةُ الفِلَاحَةِ فَأَرادَ أَنْ يَعْمَلَ بِها الصِياغَةَ فَطالَ تَعَبُهُ وَنَصَبُهُ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ عَمَلُهُ.




