فَتَهَدَّيْ يا نَفْسُ فِي جَمِيعِ أَحْوالِكَ إِلَى أَخْذِ ما هُوَ نافِعٌ لَكِ وَتَرْكِ مَا هُوَ ضَارٌّ لِتَكُونِي مِنَ النُفُوسِ المُوَفَّقَةِ الرَشِيدَةِ المُقْتَرِنَةِ بِالسَعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ الدائِمَةِ.
يا نَفْسُ: تَيَقَنِي مَا أَنَا بَاسِطُهُ لَكَ وَمُمَثِّلُهُ فَإِنِّي اِخْتَبَرْتُ هٰذا العالَمَ وَبَحَثْتُ عَنْهُ فَوَجَدْتُ حَرَكَةَ هيُولاهُ عَلَى جِهَةِ الاِبْتِداءِ لَا عَلَى مَعْنَى الاِخْتِبَارِ فَكُلُّ مَا لَطُفَ وَشَرُفَ اِمْتَازَ إِلَى العُلُوِّ، وَكُلُّ ما تَكاثَفَ وَخَشِنَ اِمْتَازَ إِلَى السُفْلِ.
ثُمَّ وَجَدْتُ الحَرَكَةَ الفَلَكِيَّةَ تُقْسِمُ هيُولَى هٰذا العالَمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولِ «الهَواءُ وَالماءُ وَالنارُ وَالتُرابُ» وَأَنَّنِي اِعْتَبَرْتُ هٰذِهِ الأَرْكَانَ الأَرْبَعَةَ فِي حَرَكَاتِهَا وَمَعانِيها، فَوَجَدْتُها تَتَحَرَّكُ بِالطَبْعِ حَرَكَةَ هُيامٍ وَمَوْتٍ لا حَرَكَةَ عَقْلٍ وَخِبْرَةٍ.
وإِنِّي وُجَدْتُ أَشْياءَ كائِنَةً مِنْ هٰذِهِ الأَرْكانِ ذاتِ حَياةٍ وَنُطْقٍ وَعَقْلٍ فَتَعَجَّبْتُ، كَيْفَ تَكُونُ الأَشْياءُ المَيِّتَةُ الجاهِلَةُ أُصُولًا لِلأَشْياءِ الحَيَّةِ العاقِلَةِ.
ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّ هٰذِهِ الأَرْكانَ إِذَا اِمْتَزَجَتْ فِي أَبْدانِ الحَيَوانِ الناطِقِ أَحْدَثَتْ فِيهَا حَياةً وَعَقْلًا، وَلٰكِنْ كَيْفَ يَنْساغُ فِي العَقْلِ أَنْ يَمْتَزِجَ المَيِّتُ بِالمَيِّتِ فَيَنْتِجَ مِنْ بَيْنِهِمَا حَيٌّ، أَوْ يَمْتَزِجُ جَهْلٌ بِجَهْلٍ فَيَكُونَ مِنْ بَيْنِهِما عَقْلٌ فَدَعَتْنِي الضَرُورَةُ حِينَئِذٍ أَنْ أَقُولَ: إِنَّ هٰذا الشَيْءَ الحَيَّ العاقِلَ هُوَ شَيْءٌ لَيْسَ مِنْ هَيُولَى هٰذا العالَمِ، اِعْنِي عالَمُ الكَوْنِ وَالفَسَادِ، بَلْ مِنْ أَشْياءَ طارِئَةٍ غَرِيبَةٍ




