يا نَفْسُ: أَيُّ أَحَدٍ سَكَنَ مَنْزِلًا فَأَبْغَضَهُ وَأَرادَ الخُرُوجَ مِنْهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْتادَ مَوْضِعًا غَيْرَهُ قَبْلَ نَقْلَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ اِنْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعٍ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعًا غَيْرَهُ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ يُوشِكُ أَنْ يَبْقَى تائِهًا مُضْطَرًّا، وَالاِضْطِرارُ يُلْجِئُهُ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ حَيْثُ وُجِدَ عَلَى غَيْرِ تَرْتیبٍ وَلا اِخْتِبارٍ. فَلَعَلَّهُ يَسْكُنُ بِالضَرُورَةِ فِي مَوْضِعٍ شَرٍّ مِنْ مَوْضِعِهِ الأَوَّلِ فَيَتَنَغَّصُ عَيْشُهُ وَتَتَكَدَّرُ حَياتُهُ.
یا نَفْسُ: إِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْكُنُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا وَهُوَ يَشْتَهِي أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنَ الأَوَّلِ وَأَوْسَعَ وَأَبْهَى فَمَا بالُكِ يَا نَفْسُ تُؤثِرِينَ أَنْ تَسْكُنِي فِي المَساكِنِ المُظْلِمَةِ الخَرِبَةِ الوَحْشِيَّةِ، وَتَتْرُكِينَ المَساكِنَ المُنِيرَةَ المُضِيئَةَ الآنِسَةَ؟ فَحَتَّى مَتَى تَكُونِينَ مِنْ عُمَّارِ الخَرَابَاتِ الوَحْشِيَّةِ، وَتَكُونُ مَنازِلُكِ الأُولَى الحَقِّيَّةِ مُعَطَّلَةً مِنْكِ خالِيَةً.
یا نَفْسُ تَيَقَنِي مَا أَقُولُهُ لَكِ وَتُدَبَّرِيهِ، إِنَّ مَا تَحَقَّقْتِ لِشَيْءٍ غَيْرِ مَا تُدْرِكِينَهُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ فَقَدْ تَوَجَّهْتِ إِلَى طَرِيقِ نَجاتِكِ، وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَتَحَقَّقِي شَيْئًا مِنَ الأَشْياءِ إِلَّا مَا شاهَدْتِهِ بِبَصَرِ الجَسَدِ وَسَمْعِهِ وَذَوْقِهِ وَشَمِّهِ وَلَمْسِهِ، فَأَنْتَ إِذَنْ مُوقَفَةٌ عَلَى طَرِيقِ العَطَبِ وَمُقَاسَاةِ العَذَابِ.




