النُفُوسُ الطَبِيعِيَّةُ الكَثِيرَةُ الوَسَخِ وَالكَدَرِ، فَلَيْسَ يَجْلُوهَا إِلَّا دُخُولُها إِلَى رُتْبَةِ العَذابِ وَطُولُ لُبُوثِها فِيهِ وَتُرَدِّدُها إِلَيْهِ.
يا نَفْسُ: كَمْ يَتَرَدَّدُ الذَهَبُ الكَثِيرُ الغِشِّ إِلَى النارِ قَبْلَ أَنْ يَصْفُوَ وَيَتَهَذَّبَ وَكَمْ يَدْخُلُ العُودُ المِعْوَجُ إِلَى النارِ وَيَقُومُ قَبْلَ أَنْ يَتَقَوَّمَ وَكَمْ تُعادُ الحِنْطَةُ إِلَى الغَرابِيلِ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ دَغَلُها(1) وَكَمْ تُشافَهَ النُفُوسُ الخَبِيثَةُ الصَدِئَةُ بِأَلْوانِ العَذابِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِيمَ وَتَرْجِعَ.
يا نَفْسُ: اِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْرِفَ فَضْلَ حَلاوَةِ العَسَلِ عَلَى مَرارَةِ الصَبْرِ دُونَ أَنْ يَذُوقَهُما جَمِيعًا وَيَعْقِلَها بِالتَمْيِيزِ، وَكَذٰلِكَ لا يُمْكِنُ النَفْسُ أَنْ تَعْرِفَ فَضْلَ حَلاوَةِ النَعِيمِ عَلَى مَرارَةِ العَذابِ دُونَ أَنْ تَذُوقَهُما جَمِيعًا وَتَعَقُّلَهُما.
یا نَفْسُ: كَمْ بَيْنَ الخارِجِ مِنْ شَيْءٍ قَدْ خَبَرَهُ وَذاقَهُ وَزَهِدَ فِيهِ وَبَيَّنَ الداخِلَ إِلَيْهِ الراغِبَ فِي أَنْ يَخْتَبِرَهُ وَيَذُوقَهُ.
يا نَفْسُ: إِنَّ المُقاتِلَ فِي الحَرْبِ يَتَمَنَّى الخُرُوجَ مِنْها لِكِرابِ القِتالِ وَثِقَلِ السِلاحِ، وَالَّذِي لَمْ يُشاهِدْ حَرْبًا قَطُّ يَتَمَنَّى أَنْ يُلاقِيَ الحَرْبَ وَيَذُوقُهَا، فَإِنْ




