وَاِفْهَمَيْهِ إِنْ كُنْتِ حَيَّةً عاقِلَةً، وَإِنْ كُنْتِ مَيْتَةً جاهِلَةً فَما أَبْعَدَ تَيَقُّنَكِ إِيّاهُ وَفِطْنَتَكَ لَهُ.
يا نَفْسُ: إِنَّ الأَصْنافَ الشَرِيفَةَ إِنَّما وَرَدَتْ إِلَى عالَمِ الكَوْنِ لِتَخْتَبِرَهُ فَلَمّا وَرَدَتْهُ وَشافَهَتْ مَعانِيَه أُنْسِيَتْ عالَمَها العَقْلِيَّ وِجَهِلتَ ذاتَهَا الصُوَرِيَّةَ، فَمَتَى اِسْتَدْرَكَتْ ذِكْرَ ما أُنْسَيَتْهُ فَقَدْ صَارَتْ مُشافِهَةً لِلعالَمِينَ جَمِيعًا وَمُمَيَّزَةً بَيْنَهُما بِالشَرَفِ وَالخَسَاسَةِ، وَمَلَكَتْ التَحَيُّزَ إِنْ تَلْبَثَ عِنْدَ ايْهِمَا آثَرْت، فَإِذا أَدْرَكَتْ بِبَصِيرَةِ عَقْلِها عُلُوَّ المَرْتَبَةِ الشَرِيفَةِ عَلَى دُنُوِّ المَرْتَبَةِ الخَسِيسَةِ فَحِينَئِذٍ تُؤثَرُ الرُجُوعَ إِلَى ما ناسَبَها بِالمَعْنَى الَّذِي هِيَ بِهِ، وَتَنْفَصِلُ مِمّا قارَنَها بِالعَرْضِ ظاعِنَةً عَنْهُ زاهِدَةً فِيهِ، فَتَحَقَّقِي بِذٰلِكَ يا نَفْسُ فَإِنَّ لَكِ تَحْتَهُ رَاحَةً كَبِيرَةٌ وَفائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَسَعادَةٌ دائِمَةٌ مُضِيئَةٌ.
يا نَفْسُ: إِنَّ المَواعِظَ وَالتَنْبِيهَ صِقَالُ النُفُوسِ مِنَ الصَدَأِ وإِنَّ المِرْآةَ الصَدِئَةَ بِالعَرْضِ السَرِيعِ الزَوالِ يُمْكِنُ لِلصَقِيلِ جَلاؤُها، وانَ المِرْآةَ الَّتِي قَدْ قَبِلَتْ الصَدَأَ بِالعَرْضِ الثابِتِ البَطِيءِ الزَوالِ الخارِجِ عَنْ حَدِّ القُوَّةِ إِلَى حَدِّ الفِعْلِ فَقَدْ صارَ لَها ذٰلِكَ الصَدَأُ طَبْعًا ثابِتًا مُسْتَحْكِمًا فَلَنْ يَنْجَحَ فِيهِ عَمَلُ الصَقِيلِ، وَلا يَسْتَخْرِجِ الصَدَأَ مِنْها إِلَّا بِإِعادَتِها إِلَى النَارِ، وَكَذٰلِكَ النُفُوسُ العَرْضِيَّةُ الكَدَرُ تَنْجَلِي بِالتَنْبِيهِ وَالمَواعِظِ فَتَذْكُرُ سَالِفاتِ أُمُورِها، فَأَمّا




