مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 4 من 81

يا نَفْسُ: فانَه قَدْ يُسْتَعْمَلُ التَمْثِيلُ عَلَى سائِرِ الأَشْياءِ بِالآثارِ المَوْجُودَةِ عِنْدَ غَيْبَةِ المُؤَثِّرِينَ لَهَا، وَأَيْضًا قَدْ يُسْتَعْمَلُ التَمْثِيلُ لَهُ فِي الاِعْتِبارِ وَالتَعَجُّبِ مِمّا قَدْ وَرَدَ، وَمِمَّا هُوَ وارِدٌ لا مَحالَةَ بِضُرُوبِ الأَمْثالِ عَلَى غائِبِ الأَشْياءِ وَشاهِدِهَا.

فَاِسْتَعْمِلِي يَا نَفْسُ التَصَوُّرَ وَالتَمْثِيلَ فِي سَائِرِ الأَشْيَاءِ المَوْجُودَةِ عَقْلًا وَحِسًّا. وَاِعْلَمِي أَنَّ الشَيْءَ الذاتِيَّ بِالحَقِيقَةِ الأَصْلِيِّ التامِّ أَلْنُورِيِّ هُوَ المُفِيدُ الحِكَمَ اللَطِيفَةِ وَالتَمَيُّزاتَ الشَرِيفَةِ وَالحَياةَ الدائِمَةِ. وَسائِرُ الأَشْياءِ الَّتِي هِيَ جُزْئِيّاتٌ لَهُ لا أَجْزاءَ لَهُ، وَهُوَ كُلِيٌّ لَهَا لَا كُلَّاً(1).

فَاِعْتَبِرِي ذٰلِكَ يا نَفْسُ وَتَيَقَّظِي وَاِحْذِرِي الغَفْلَةَ وَالتَوانِيَ وَاِسْتَعْمِلِي التَهَذُّبَ مِنْ أَوْساخِ الطَبِيعَةِ، وَاِسْتَعِينِي عَلَى ذٰلِكَ بِالخُضُوعِ وَالرَغْبَةِ وَالاِبْتِهالِ إِلَى يَنْبُوعِ الخَيْرِ وَمَظْهَرَهُ واصَلْ العَقْلِ وَمُبْدِعَهُ، وَمُفِيدَ الحَياةِ وَالحِكْمَةِ، وَالجُودِ التامِّ وَالرَحْمَةِ، تُحْيَيّ بِذٰلِكَ يا نَفْسُ وَتَسْعَدِي.

الهوامش

1بِالاسْنادِ عَنْ السَيِّدِ الرَسُولِ عَزَّ عِّزُه وَقَدْ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللّٰهِ، قَدْ سَبَقَ قَوْلُكَ وَهُوَ الحَقُّ "إِنَّ النُورَ لا يَتَجَزَّأُ فِي أَحَدٍ وَلا يَنْقَسِمُ فَيَكُونُ عَدَدًا"، وَقَدْ نَرَاهُ فِي كُلِّ أَحَدٍ بِمِقْدارٍ يَتَفاضَلُ، وَنَجِدُهُ يَزِيدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؟ فَقالَ عَزَّ عِّزُه: إِنَّ العَدَدَ مَرْكَزُهُ، وَالقِسْمَةُ مَطَالِعُهُ، وَالتَفْرِقَةُ مَسَاكِنُهُ، فَهُوَ فِي الوَاسِعِ المُتَّسِعِ لَهُ واسِعٌ، وَفِي الحَرَجِ المُتَضايِقِ عَنْهُ ضَيِّقٌ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ العَقْلَ الأَوَّلَ الَّذِي بَدَا مِنْهُ لَطِيفُهُ فِي العَقْلِ الثَانِي، بِهِ يُعْقَلُ عَنْ اللّٰهِ، وَبِهِ يُعْرَفُ اللّٰهُ، وَبِهِ يُهْتَدَى إِلَى اللّٰهِ، وَإِنَّهُ هُوَ الواحِدُ القَدِيمُ وَالنُورُ العَظِيمُ الرَحْمٰنُ الرَحِيمُ المُنْفَطِرُ مِنْ نُورِ ذَاتِ الأَحَدِ، فَالغَيْبُ بَاطِنُهُ، وَهُوَ بِوَحْدَانِيَّةِ نُورِ الأَحَدِ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أَحَدٌ، وَهُوَ كَالْوَاوِ مِنَ الهَاءِ، وَإِذَا قُلْتَ حَرْفَانِ فَمَعْناهُمَا واحِدٌ، وَغَيْبُهُمَا الأَحَدُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَطِيفُ الخَبِيرُ، لا تَحْوِيهِ الأَقْطَارُ وَهُوَ يَحْوِيهَا، وَهُوَ اللَطِيفُ فِي الفِكْرِ الخَبِيرُ الخَفِيُّ فِي الغَيْبِ السَمِيعُ البَصِيرُ. (الرسالة المصرية)
الصفحة 4 من 81