مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 37 من 81

يا نَفْسُ: إِنَّ الأَصْنافَ الشَرِيفَةَ تَرُدُّ مِنْ عالَمِها إِلَى عالَمِ الطَبِيعَةِ وُرُودَ مُخْتَبَرٍ لَهُ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ الآلَاتُ الَّتِي تُشافِهُ بِها الطُعُومُ وَالرَوائِحُ وَالمُبَصِّرَاتُ وَجَمِيعُ الآلاتِ العَارِضَةِ فِي الحِسِّ نَسِيَتْ عالَمَهَا وَجَمِيعَ ما فِيهِ وَظَنَّتْ اِنَّهُ لا لِشَيْءَ غَيْرِ ما هِيَ مُشَاهَدَتُهُ فِي الحِسِّ، فَحِينَئِذٍ، تَنْسَى عالَمَ العَقْلِ وَتَعْدِمُ ذِكْرَهُ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْ النَوْعِ الناطِقِ قِيلَ أَنَّها قَدْ ماتَتْ وَمَضَتْ مَعَ جَرَيانِ الطَبِيعَةِ فَمَتَى عادَتْ إِلَى الكَوْنِ الأَوَّلِ ثُمَّ ذَكَرَتْ عالَمَها بَعْضَ الذِكْرِ قِيلَ أَنَّها قَدْ حَيِيَتْ مِنْ مَمَاتِهَا، وَحِينَئِذٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنَى الَّذِي قَدْ ذَكَرَتْهُ مُسْتَكْشِفَةً لَهُ وَباحِثَةً عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ المَعانِي الَّتِي نَسِيتُها أَوَّلًا.

فَكُلَّمَا عَقَلَتْ شَيْئًا مِمَّا نَسِيتُهُ اِنْجَلَی بَصَرُهَا وَقَوِيَتْ صِحَّتُهَا وَفارَقَتْ مَرَضَهَا، وَعِنْدَ ذٰلِكَ تُدْرِكُ بِبَصَرِ عَقْلِهَا أنَّ جَمِيعَ ما هِيَ مُشاهَدَةٌ لَهُ فِى عالَمِ الحِسِّ، إِنَّما هِيَ خَيالاتٌ أَشْياءُ لا أَشْياءَ بِالحَقِيقَةِ، وَظِلُّ الشَيْءِ هُوَ ظِلُّ الشَيْءِ بِالحَقِيقَةِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَوْ المَاءِ، وَإِنَّمَا عَرَضَ لِلنَفْسِ مُرَابَطَةُ أَشْكالِ الأَنْواعِ دُونَ الأَنْواعِ عَيْنُهَا، بِنِسْيانِها عالَمَ العَقْلِ أَوَّلًا عِنْدَ وُرُودِها إِلَى عالَمِ الحِسِّ وَبِتَأَمُّلِها هٰذِهِ المَعانِي وَذِكْرُها لَها تَكُونُ صِحَّتُها مِنْ مَرَضِها وَعَقْلِها بَعْدَ جَهْلِها فَتَذْهَبُ راجِعَةً إِلَى تَأَمُّلِ المَعانِي الحَقِيقِيَّةِ وَالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الدائِمَةِ السَرْمَدِيَّةِ.

الصفحة 37 من 81