يا نَفْسُ: هٰذِهِ دَارُ المَحْسُوساتِ وَدارُ المَعْقُولاتِ مُحْضَرَةٌ بَيْنَ يَدَيْكِ وَكِلَاهُمَا قَدْ خَبِرْتِهِ وَشافَهْتِهِ فَتَخَيَّرِي أَيُّهُمَا شِئْتِ لا مَدْفُوعَةً وَلا مَمْنُوعَةً وَاِذْهَبِي إِلَى أَحْظَاهَا عِنْدَكِ، فانِ اِخْتَرْتِ اللُبُوثَ فِي دارِ الحِسِّ فَأُقِيمِي عَلَى ما قَدْ خَبِرْتِهِ وَعَرَفْتِهِ، وَإَنْ أَحْبَبْتِ المَصِيرَ إِلَى دَارِ العَقْلِ فَيَنْبَغِي لَكِ قَبْلَ الاِنْفِصَالِ أَنْ تَتَصَوَّرِي مَعْنَى طَرِيقِكِ وَسُلُوكَكِ إِيَّاهُ عَلَى تَرْتِيبِهِ مَحَلًّاً بَعْدَ مَحَلّ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مَحَلِّ المُسْتَقِرِّ.
فانْ كُنْتِ يَا نَفْسُ: ذاكِرَةً هٰذَا الطَرِيقَ فَاِحْذَرِي أَنْ يَحُولَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهُ النِسْيَانُ وَالخَوْفُ وَقْتَ الاِنْفِصَالِ فَتَضِلِّي وَتَتَوَهَمِي.
وَإِنْ كُنْتِ يا نَفْسُ: نَاسِيَةً لِهٰذَا الطَرِيقِ فَتَذَكَّرِيهِ، وَاِسْتَعِينِي عَلَى تَذَكُّرِهِ بِوَصْفِ سَالِكِيهِ وَخابِرِيهِ فَإِنَّهُمْ أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصابِيحُ الدُجَى، وَالأَدِلَّاءُ عَلَى المَسْلَكِ الأَعْلَى إِلَى الاِنْتِهاءِ.
وَاِعْلَمِي يا نَفْسُ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَذْهَبُ وَيَنْتَقِلُ إِلَى العُلا يَنْبَغِي: أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا صَافِيًا نَقِيًّا لِيَكُونَ أَسْرَعَ لِمَمَرِّهِ إِلَى غايَتِهِ وإَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ نَحْوَ السُفْلِ يَنْبَغِي: أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا كَدِرًا وَعَلَى حَسَبِ كَدَرِهِ وَثِقَلِهِ تَكُونُ سُرْعَةُ مَمَرِّهِ إِلَى غايَتِهِ.




