الفَصْلُ السادِسُ
يا نَفْسُ اِنَّهُ لَوْ شَرِبَ شارِبٌ مِنَ الماءِ شَرْبَةً واحِدَةً، لَقَدْ كانَتْ تِلْكَ الشَرْبَةُ تُقَرِّرُ فِي نَفْسِهِ المَعْرِفَةَ بِطَبِيعَةِ الماءِ كُلِّهِ، وَإِنَّ اِخْتِبارَ الجُزْءِ الفارِدِ لِيَنْبِيءُ عَنْ جَمِيعِ کُلِیَّتِهِ، وَإِنَّ الناظِرَ إِلَى كَفٍّ مِنَ التُرَابِ فَقَدْ رَأَى التُرابَ كُلَّهُ وَإِنَّ اِخْتَلَفَتْ أَلْوانُ التُرابِ فَلَيْسَ جَوْهَرُهُ بِمُخْتَلِفٍ، وإِنَّ المُصاحِبَ لِلقُرَناءِ الَّذِينَ كُلُّهُمْ مِنْ طَبِيعَةٍ واحِدَةٍ وَجَوْهَرٍ واحِدٍ لِعارِفٍ بانَ أَحَدَهُمْ لِيَنْبِيءَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَالقَلِيلُ يَنْبِيءٌ عَنْ كَثِيرِهِمْ، فَاِقْتَصِرِي يا نَفْسُ عَلَى هٰذا الشَرْحِ وَاُكْتُفِي بِهِ تَوَفَّقِي لِلنَجاةِ وَالسَلامَةِ.
يا نَفْسُ: إِنِّي أَرَى كُلَّ شَيْءٍ يَحِنُّ إِلَى شَكْلِهِ، وَكُلُّ نَوْعٍ يَنْضافُ إِلَى نَوْعِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونِي بِهٰذا المَعْنَى عارِفَةً.
يا نَفْسُ: أَنْتِ صافِيَةٌ فَلا تَصْحَبِي كَدْرًا، وَأَنْتِ نَيِّرَةٌ مُضِيئَةٌ فَلا تَصْحَبِي مُظْلِمًا، وَأَنْتِ حَيَّةٌ ناطِقَةٌ، فَلا تَصْحَبِي جاهِلًا جائِرًا، وَأَنْتِ طاهِرَةٌ نَقِيَّةٌ، فَلا تَصْحَبِي نَجَسًا دَنَسًا، وَأَنْتِ مُتَصَرِّفَةٌ بِالتَمْيِيزِ وَالإِرادَةِ العَقْلِيَّةِ، فَلا تَصْحَبِي المُتَحَرِّكَ حَرَكَةَ الهَيامِ وَالاِلْتِباسِ وَالتَشْوِيشِ، فَإِنْ أَنْتِ لَمْ تَتَحَقَّقِي شَرْحِي هٰذا فَأَرِينِي كَيْفَ يَكُونُ الاِتِّفاقُ مِنْ مَعانِيكِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا بِمَعانِي سِواكَ.




