وَمِثْلُ ذٰلِكَ يا نَفْسُ كَمِثَلِ البَصَرِ وَالمُبْصَرَاتِ وَالظُلْمَةِ وَالنُورِ وَذٰلِكَ إِنَّ البَصَرَ يَكُونُ فِي الظُلْمَةِ وَتَكُونُ المُبْصَرَاتُ حاضِرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَراها وَيَضْعُفُ عَنْ إِدْراكِها، فَإِذا وَرَدَ إِلَيْهِ النُورُ المُضِيءُ أَعانَهُ عَلَى إِدْراكِ مُبَصَراتِهِ وَمَحْسُوساتِهِ الَّتِي قَدْ كانَتْ قَبْلَ ذٰلِكَ غائِبَةً عَنْهُ فَكانَ ذٰلِكَ النُورُ سائِقًا لَهُ إِلَيْها، وَمُتَمِّمًا لَهُ إِدْراكُهُ إِيَّاها، وَجاعِلُهَا فِيهِ بِالفِعْلِ، بَعْدَ أَنْ كانَتْ فِيهِ بِالقُوَّةِ.
فَما دامَ البَصَرُ واجِدًا ذٰلِكَ النُورَ فَهُوَ واجِدٌ لِمُبَصَراتِهِ، وَمُدْرِكٌ لَها، فَإِذا فَقَدَ النُورَ وَعاوَدَتْهُ الظُلْمَةُ عادَ إِلَى فَقْدِ جَمِيعِ مَحْسُوساتِهِ، وَلَوْ دامَ لَهُ النُورُ أَبَدًا لَدامَ لَهُ الإِدْراكُ أَبَدًا ما دامَ النُورُ وَعُدِمَ الظُلْمَةَ.
فَإِذا كانَ قَدْ أَتَّضَحَ لَكِ يا نَفْسُ أَنَّ النُورَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِ العَقْلِ، وَالظُلْمَةُ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الجَسَدِ، فَيَنْبَغِي لَكِ يا نَفْسُ أَلّا تَأْسَفِي عَلَى فِراقِ الجَسَدِ لِشِدَّةِ إِضْرارِهِ بِكِ وَخِذْلانِهِ إِيّاكِ، وَإِعاقَتِهِ لَكِ عَنْ إِدْراكِ مَعْلُوماتِكِ الدائِمَةِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي لَكِ يا نَفْسُ أَنْ تَأْسِي عَلَى مُفارَقَةِ عالَمِ العَقْلِ أَلْنُورِيِّ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ وَمُساعَدَتِهِ إِيّاكِ عَلَى نَيْلِ مَطْلُوباتِكِ، فَاِنْصَرِفِي يا نَفْسُ عَنْ الطَبِيعَةِ زاهِدَةً فِيها قالِيَةً لَها خائِفَةً مِنْها، حَذِرَةً مِنْ عَواقِبِها، فازِعَةً إِلَى عالَمِ العَقْلِ الَّذِي هُوَ أَصْلُكِ وَنَبْعُكِ وَمَعْدِنُ شَرَفِكِ وَعِزُّكِ، تَحْيِي بِذٰلِكَ الحَياةَ الدائِمَةَ وَتَسْتَكْمِلِي السَعادَةَ التامَّةَ الكامِلَةَ.




