مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 29 من 81

وَكَذٰلِكَ سائِرُ المِياهِ تَراها أَبَدًا مُنْحَدِرَةً بِالطَبْعِ ذاهِبَةً مُجْتَازَةً إِلَى عُنْصُرِها الأَعْظَمِ ما لَمْ يَعُقْها عائِقٌ، كَسائِرِ العُيُونِ الَّتِي تَنْضافُ إِلَى الأَنْهارِ وَكَسائِرِ الأَنْهارِ الَّتِي تَنْضافُ إِلَى البَحْرِ الَّذِي هُوَ عُنْصُرُ الماءِ، وَكَذٰلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مِمّا سِوَى ذٰلِكَ كَسَيلانِ النارَ إِلَى العُلُوِّ راجِعَةٌ إِلَى عُنْصُرِها الأَعْلَى وَكَسِيلانِ الهَواءِ راجِعًا إِلَى عُنْصُرِهِ.

فَإِذا كانَتْ هٰذِهِ الأَشْياءُ الَّتِي لَيْسَ لَها عَقْلٌ وَلا تَمْيِيزٌ، وَإِنَّما حَرَّكَتْها حَرَكَةُ هُيامٍ وَطَبْعٍ بِهِ يَتَحَرَّكُ كُلُّ واحِدٍ مِنْها إِلَى حَيْثُ شَرَفِهِ وَعِزِّهِ وَقُوَّتِهِ، وَيَأْبَى الغُرْبَةَ وَالبُعْدَ عَنْ وَطَنِهِ وَمَحَلِّهِ.

فَما بالُكِ أَنْتِ يا نَفْسُ وَأَنْتِ ذاتُ العَقْلِ وَالتَمْيِيزِ، تَأْبَيْنَ الرُجُوعَ إِلَى وَطَنِكِ وَعُنْصُرِكِ الَّذِي هُوَ شَرَفُكِ وَعِزُّكِ، وَتَكْرَهِينَ ذٰلِكَ وَتُحِبِّينَ البُعْدَ عَنْ أَصْلِكِ وَنَبْعِكِ، وَتَخْتارِينَ اللُبُوثَ فِي الأَرْضِ الغَرِيبَةِ وَمُقاساةِ الذُلِّ وَالهَوانِ فَلَيْتَ شَعْرِي أَبَالطَبْعِ تَخْتارِينَ ذٰلِكَ أَمْ بِالعَقْلِ؟

فانِ كانَ ذٰلِكَ بِالطَبْعِ فَساوِي الطَبِيعَةَ فِي أَفْعالِها بِالطَبْعِ وَرُجُوعِها أَمَدًا إِلَى عَنَاصِرِها، وانْ كانَ هٰذا مِنْكَ بِالعَقْلِ وَالتَمْيِيزِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلعاقِلِ المُمَيَّزِ

الصفحة 29 من 81