الفَصْلُ الخامِسُ
يا نَفْسُ: إِنَّ العَقْلَ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ التَصَوُّرِ وَالتَمَثُّلِ وَأَيُّ نَفْسٍ عَدِمَتْ التَصَوُّرَ وَالتَمَثُّلَ فَقَدْ عَدِمَتْ ذَاتَها، وَمَنْ فَقَدَ ذاتَهُ فَهُوَ مَيِّتٌ.
يا نَفْسُ: إِنَّ التَصَوُّرَ وَالتَمَثُّلَ هُوَ العَقْلُ الَّذِي هُوَ الحَياةُ الدائِمَةُ وَالتَلَذُّذُ وَالتَنَعُّمُ بِالدُنْيا هُوَ المَوْتُ الدائِمُ، فَلا تُؤْثِرِي مُفارَقَةَ الحَياةِ الدائِمَةِ عَلَى مُفارَقَةِ المَوْتِ الدائِمِ فَتَهْلَكِي.
يا نَفْسُ مَا بالُ سائِرِ الجَوَاهِرِ الطَبِيعِيَّةِ غَيْرِ العاقِلَةِ مُتَحَرِّكَةٌ بِالطَبْعِ الَّى عَناصِرِهَا وَمَواضِعِها الخاصَّةِ بِها، وَبِحَقٍّ إِنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ إِنَّما شَرَفُهُ وَعِزُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عُنْصُرِهِ وَيَكُونُ بِنَبْعِهِ وَمَحَلِّهِ.
يَا نَفْسُ: أَلَيْسَ سَائِرَ ما يَتَكَوَّنُ مِنْ التُرابِ كَالحِجارَةِ وَغَيْرِها، يَرْجِعُ مُتَحَلِّلًا إِلَى التُرابِ، الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ وَنَبْعَتُهُ، حَتَّى اِنَّهُ لَوْ اُخِذَ جُزْءٌ مِنْ الأَرْضِ فَعُلِيَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلَهُ لَعادَ مُسْرِعًا بِحَرَكَتِهِ الطَبِيعِيَّةِ إِلَى عُنْصُرِهِ وَأَصْلِهِ.




