مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 23 من 81

يا نَفْسُ: إِنَّ الماءَ الصافِيَ النَقِيَّ يُؤَدِّي البَصَرَ إِلَى سائِرِ ما فِي ذاتِهِ، وَإِذا تَشابَهَ الكَدَرُ وَالوَسَخُ حُجِبَ النَظَرَ عَنْ إِدْراكِ سَرائِرِ الأَشْياءِ المُسْتَكِنَةِ فِيهِ وَكَذٰلِكَ نُورُ الشَمْسِ إِذا أَشْرَقَ عَلَى الأَشْياءِ كانَ النَظَرُ مُدْرِكًا لَها بِالحَقِيقَةِ.

فَإِذا عَرَضَ فِيهِ البُخاراتُ وَالدُخانُ وَالغُبارُ، حِيِّلَ بَيْنَ البَصَرِ وَبَيْنَ إِدْراكِ تِلْكَ الأَشْياءِ، وَكَذٰلِكَ أَنْوارُ العَقْلِ اللَطِيفَةِ الشَرِيفَةِ إِذَا اِمْتَزَجَتْ بِالأَشْياءِ الجِلْفَةَ الكَثِيفَةِ المُظْلِمَةَ كَدَّرَتْها وَأَعاقَتْهَا عَنْ إِدْراكِ ما فِي ذاتِها مِنَ الصُوَرِ وَالأَشْكَالِ، وَأَعْدَمَتْها التَصَوُّرَ العَقْلِيَّ، فَحِينَئِذٍ تَبْقَى النَفْسُ فَقِيرَةً عَنْ مُقْتَنَياتِها جاهِلَةً بِمَعْلُوماتِها عادِمَةً حُسْنَ التَهَدِّي إِلَى طَرِيقِ نَجاتِها.

یا نَفْسُ: لَيْسَ الزُهْدُ فِي الدارِ تَرْكُ تَزْوِيقِهَا وَإِصْلاحِهَا مَعَ الرِضَا بِالمُقامِ فِيها، وَإِنَّما الزُهْدُ التامُّ الرِضا بِالتَحَوُّلِ عَنْها وَالاِشْتِياقُ إِلَى النَقْلَةِ مِنْها وَكَذٰلِكَ يا نَفْسُ لَيْسَ الزُهْدُ فِي عالَمِ الطَبِيعَةِ تَرَكُ لَذَّاَتِهِ وَشَهَواتِهِ مَعَ الرِضا بِالمَقامِ فِيهِ، وَإِنَّما الزُهْدُ بِالحَقِيقَةِ شِدَّةُ الشَوْقِ إِلَى مُفارَقَتِهِ وَالراحَةِ مِنْهُ وَمِنْ مُعانَدَتِهِ، وَمُضادَّتِهِ وَاِخْتِلافِهِ وَظُلْمَتِهِ.

فَيَنْبَغِي لَكِ يا نَفْسُ: أَنْ تَعْتَقِدِي بِالشَوْقِ إِلَى المَوْتِ الطَبِيعِيِّ وَالرِضا بِهِ وَتُحاذِرِي الفَشَلَ عَنْهُ، فَبِالخَوْفِ مِنْهُ تَكُونُ الهَلْكَةُ، وَبِالتَشَوُّقِ إِلَيْهِ تَكُونُ

الصفحة 23 من 81