فَتَصَوَّرِي يا نَفْسَ هٰذا وَتَيَقُّنِيهِ، وَاِعْلَمِي اِنَّكِ راجِعَةٌ إِلَى مَبْدَئِكِ الَّذِي هُوَ أَصْلُكِ، فَتَهَذَّبِي مِنْ أَوْساخِ الطَبِيعَةِ وَأَوْزارِها المُبَطِئَةِ بِكَ عَنْ سُرْعَةِ الرُجُوعِ إِلَى عالَمِكِ وَأَصْلِكِ.
يا نَفْسُ: هٰذا عالَمُ الطَبِيعَةِ وَهُوَ مَحَلُّ الفَقْرِ وَالخَوْفِ وَالذُلِّ وَالحُزْنِ وَهٰذا عالَمُ العَقْلِ وَهُوَ مَحَلُّ الغِنَى وَالأَمْنِ وَالعِزِّ وَالسُرُورِ، وَقَدْ شافَهْتِهِمَا جَمِيعًا، وَشاهَدْتِهِما فَتَخِيرِي عَلَى خِبْرَةٍ مِنْكِ وَاِعْلَمِي اِنْكِ لابِثَةً فِي ايْهِما شِئْتِ غَيْرَ مَدْفُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ.
وَاِعْلَمِي إِنَّ مِنْ المُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الإِنْسانُ غَنِيًّا فَقِيرًا خائِفًا آمِنًا، عَزِيزًا ذَلِيلًا، مَسْرُورًا حَزِينًا، وانْ كانَ هٰذا هٰكَذا فَكَذٰلِكَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ الإِنْسانُ حُبَّ الدُنْيا وَحُبَّ الآخِرَةِ، بَلْ ذٰلِكَ مِنْ بابِ المُمْتَنِعِ أَشَدَّ الاِمْتِنَاعِ.
یا نَفْسُ: إِنَّهُ مَنْ نَزَعَ سِلاحَهُ وَكَفَّ نَفْسَهُ وَاِسْتَسْلَمَ لِعَدُوِّهِ وَجَبَ أَسْرُهُ وَمَنْ قاتَلَ بِسِلاحِهِ وَحَمَى نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ لِعَدُوِّهِ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَأَيُّ نَفْسٍ وَرَدَتْ إِلَى عالَمِ الطَبِيعَةِ، فَلابُدَّ لَها أَنْ تَسْلُكَ أَحْدَى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ:
«إِمّا القَتْلُ وَإِمّا الأُسَرُ» فَمَنْ اِخْتارَ الأُسَرَ فَقَدْ اِخْتارَ طُولَ العَذابِ وَهَوانَ الاِسْتِعْمالِ وَذُلَّ العُبُودِيَّةَ.




