وَكَذٰلِكَ الإِنْسانُ المَحْسُوسُ يَبْدَأُ إِلَى عالَمِهِ وَهُوَ لا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ المَعانِي الَّتِي تُرادُ مِنْهُ، ثُمَّ تَرِدُ إِلَيْهِ المادَّةُ السائِرَةُ بِهِ إِلَى المَعْنَى الَّذِي بِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّمًا لا، عالَمًا، فَإِذا اِرْتاضَ بِهٰذِهِ الرُتْبَةِ وَرَدَّتْ إِلَيْهِ المادَّةُ الكُبْرَى الكامِلَةُ المُكَمِّلَةُ، فَتَجْعَلُهُ حِينَئِذٍ عالِمًا وَيُكْمُلُ حِينَئِذٍ وَكَذٰلِكَ الإِنْسانُ المَعْقُولُ إِنَّمَا هُوَ القُوَّةُ الآتِيَةُ فِي العُضْوِ الوارِدَةِ مَعَ المَنِيِّ إِلَى الرَحِمِ، ثُمَّ حِينَئِذٍ تَرِدُ إِلَيْهِ القُوَّةُ المُصَوَّرَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُصَوِّرَهُ بِتَوَسُّط الإِلٰهِيَّةُ.
فَإِذا صارَ عَقْلًا بِالقُوَّةِ ذا غَضَبٍ وَشَهْوَةٍ، وَرَدَتْ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ القُوَّةُ الثانِيَةُ المُتَمِّمَةُ الَّتِي هِيَ عَقْلٌ بِالفِعْلِ فَسارَتْ بِهِ إِلَى حَدِّ الكَمالِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ جَمِيعَ أَسْبابِهِ بِالفِعْلِ، بَعْدَ أَنْ كانَتْ فِي الاِبْتِداءِ لا بِالفِعْلِ وَلا بِالقُوَّةِ.
ثُمَّ اِنْتَقَلَ إِلَى مَرْتَبَةٍ كانَ فِيها بِالقُوَّةِ، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْ رُتْبَةِ القُوَّةِ إِلَى الفِعْلِ وَالكَمالِ، فَصارَ حِينَئِذٍ فاعِلًا عامِلًا مُصَوِّرًا مُتَصَوِّرًا مُمَثِّلًا مُتَمَثِّلًا.
وَاِعْلَمِي يا نَفْسُ: إِنَّ التَأَمُّلَ لِهٰذِهِ المَعانِي دَلِيلٌ عَلَى لَطِيفِ حِكْمَةِ مُبْدِعِ العالَمَ جَلَّ جَلالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُهُ.
يا نَفْسُ: إِنَّ المُبْدِعَ جَلَّ اِسْمُهُ كَالناطِقِ الفائِضِ بِما عِنْدَهُ مِنْ المَعانِي وَالجَواهِرِ كُلِّها لِلمُسْتَمِعِينَ مِنْهُ وَلَيْسَ كُلُّ المُسْتَمِعِينَ يَفْهَمُونَ عَنْ المُتَكَلِّمِ




