وَيَجْمَعُ ذٰلِكَ الأَجْناسُ وَسائِرُ أَنْواعِها كُلِّها أَصْلٌ واحِدٌ وَهُوَ «حُبُّ الدُنْيا»(1) فَتَحَرَّزِي يا نَفْسُ مِنَ الدُنْيا وَاِعْرِضِي عَنْها، وَاُنْظُرِي إِلَيْها بِعَيْنِ الخائِفِ الوَجَلِ مِنْها، وَكُونِي مِنْها كَالطائِرِ الَّذِي عَرَفَ الفَخَّ المَنْصُوبَ وَفَطِنْ لَهُ فَاِنْحَرَفَ عَنْهُ وَحَذِرَهُ.
وَاِعْلَمِي يا نَفْسُ أَنَّ تَحَرُّزَكِ وَهَرَبُكِ مِنْ جِنْسِ الشِرْكِ يَذْهَبُ بِكِ إِلَى مَرْتَبَةِ التَوْحِيدِ، وأَنَّ تَحَرُّزَكِ مِنْ جِنْسِ الظُلْمِ يَذْهَبُ بِكَ إِلَى رُتْبَةِ النُورِ وَالصَفاءِ وَالتَهْذِيبِ وَالتَمْحِيصِ، وأَنَّ تَحَرُّزَكِ مِنْ جِنْسِ التَلَذُّذِ يُرِيحُكَ مِنْ مُقاسَاةِ الخَوْفِ وَالحُزْنِ وَالجَهْلِ وَالفَقْرِ، فَتَقَيَّضي يا نَفْسُ حَقِيقَةَ هٰذِهِ المَعَانِي وَاِعْلَمِي حَتَّى تَنْجِي وَتَسْلَمِي مِنَ الهَلَكَةِ.
یا نَفْسُ تَأَمَّلِي حِكْمَةَ مُبْدِعِ هٰذِهِ الأَشْياءَ وَاِعْتَبِرِي بِها وَاِعْلَمِي إِنَّ الإِنْسانَ لَمْ يُخْلَقْ لِمَعْنىً مِنَ المَعانِي إِلّا لِلعِلْمِ وَالعَمَلِ بِهِ وَكَذٰلِكَ الثَمَرَةُ الطَيِّبَةُ لَمْ تُخْلَقْ إِلّا لِلأَكْلِ، فَكَما أَنَّ عُنْقُودَ العِنَبِ يَبْدَأُ وَهُوَ لا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِمّا يُرادُ لَهُ ثُمَّ تَرِدُ إِلَيْهِ المادَّةُ السائِرَةُ بِهِ إِلَى حَدِّ الحُمُوضِيَّةِ العَذْبَةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ يَصْلُحُ لِبَعْضِ ما يُرادُ بِهِ لا لِكُلِّهِ، ثُمَّ تَرِدُ إِلَيْهِ المادَّةُ السائِرَةُ بِهِ إِلَى حَدِّ الكَمَالِ فِي جَمِيعِ المَعانِي الَّتِي لَها يُرادُ، فَيَتَكامَلُ حِينَئِذٍ.




