وَإِنَّما وَرَدَتْ إِلَيْها(1) النَفْسُ لِتَعْلَمَ وَتُخْبَرَ، وَمَنْ وَرَدَ إِلَى مَحَلٍّ مِنَ المَحالُّ لِيَعْلَمَهُ وَيُخْبَرَهُ وَيَعْرِفَ حالَهُ ثُمَّ تَرَكَ العِلْمَ وَالبَحْثَ وَالاِخْتِبارَ وَتَشاغَلَ بِالنَعِيمِ وَالتَلَذُّذِ فَقَدْ ضَيَّعَ مَطْلَبَهُ وَنَسِيَ أَرَبَهُ الَّذِي قَصَدَ لَهُ.
وَإِنَّما شَرَحْتُ لَكَ يا نَفْسَ هٰذا الشَرْحِ لِئَلّا تَكُونِي فِي رُتْبَةِ الذامِينَ لِلدُنْيا عِنْدَ سَخَطِهِمْ عَلَيْها، وَالمادِحِينَ لَها عِنْدَ رِضاهُمْ عَنْها وَلَيْسَ هُمْ بِالحَقِيقَةِ لا ذامَيْنِ وَلا مادِحِينَ بَلْ تائِهُونَ ضالُّونَ قَدْ أَضاعُوا طَلَبَهُمْ، وَنَسُوا أَرَبَهُمْ وَذَهَبَ اِسْتِعْمالُ آلاتِهِمْ باطِلًا غَيْرَ مُتَحَقِّقِينَ بِعِلْمٍ وَلا مُكْتَسَبِينَ لِيَقِينَةٍ.
يا نَفْسُ: إِنَّما هٰذِهِ الدُنْيا دارُ عِلْمٍ وَبَحْثٍ وَاِخْتِبارٌ لِلمُتَأَمِّلِينَ، فَتَأَمَّلِي يا نَفْسُ جَمِيعَ مَعانِيها وَصُوَرِها وَصُنْعِها وَتَشْكِيلاتِها المَحْسُوسَةِ السائِلَةِ الزائِلَةَ البائِدَةِ الأَعْراضِ وَالأَشْخاصِ، وَاِعْلَمِي إِنَّما هِيَ مِثاَلَاتُ الصُوَرِ بِالحَقِيقَةِ وَالصُوَرِ الحَقِيَّةِ وَالتَشْكِيلاتِ الحَقِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ الدائِمَةِ.
وَبِالجُمْلَةِ يا نَفْسُ: فإَنَّهُ لَيْسَ فِي عالَمِ العَقْلِ نَوْعٌ إِلَّا وَشَكْلُهُ ظاهِرٌ فِي كِيانِ جَرَيانِ الطَبِيعَةِ، وَكَذٰلِكَ جَمِيعُ ما هُوَ مَوْجُودٌ فِي عالَمِ الكَوْنِ إِنَّما هِيَ دَواعٌ وَمِثالاتٌ.




