فَكَانَ كَمَا قَالَ السَّيِّدُ الْخَصِيبِيُّ نَضَرَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي رِسَالَتِهِ: إنَّ الْقَلْبَ كَالْمَعْنَى وَاللِّسَانَ كَالْاسْمِ وَالْكَلَامِ كَالْبَابِ، وَهُوَ الْمَادَّةُ(1) عَنْ اللِّسَانِ مَعنِي حَرَكَتَهُ(2) كَمَا كَانَ فِي الرَوحَانِيَّاتِ الْعَقْلُ مُخْتَرَعٌ مِنْ نُورِ الذَّاتِ، وَالنَّفْسُ حَادِثَةٌ عَنْ الْعَقْلِ كَحُدُوثِ الْكَلَامِ عَنْ اللِّسَّانِ، وَكَانَتْ الْقُوَّةُ الْفِكْرِيَّةُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْلِسَانُ وَبَيْنَ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْأَجْسَامِ، فَلَمَّا حَصَلَتْ تِلْكَ الْمَعَارِفُ لِأَرْبَابِ النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ رَتَّبُوهَا لِمَنْ دُونَهُمْ بِأَلْفَاظٍ وَعِبَارَاتٍ وَإِشَارَاتٍ وَمِثَالَاتٍ عَلَى قَدْرِ مُسْتَمِعِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ تِلْكَ الْمَعَارِفَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَرِّرَهَا بِالْحُرُوفِ الْمُعْجَمِيَّةِ وَيُشَاهِدَ أَمْثِلَتِهَا بِالْأَشْكَالِ الْمَحْسُوسَةِ.
كَالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ الْعَالِمُ عزَّ عِزُّهُ: "إِنَّ الْمَعْنَى ظَهَرَ فِي صُورَةِ شَابٍّ مَفْتُولِ السِّبَالِ رَاكِبٍ عَلَى أَسَدٍ فِي صُورَةِ النَّاسِ"(3).
وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ عَلَى النَّاقِصِينَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ المرتبطين بِالْمَحْسُوسِ دُونَ الْمَعْقُولِ فِي دَارِ الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ، وَمِنْ الْمُسْتَمِعِينَ مَنْ تَكُونُ نَفْسُهُ كَالْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ، فَتُطْبَعُ بِهَا صُوَرُ الْمَوْجُودَاتِ وَتَسْتَغْنِي عَنْ ضَرْبِ الْمِثَالَاتِ، فَهكذا مَعْرِفَةُ اَلْحَقِيقَةِ ضَرْبَانِ.




