النُّورَانِيَّةِ، أَمْ هِيَ دَائِرَةٌ فِي هَذِهِ الظُّلُمَاتِ الْمُتَنَاهِيةِ، أَمْ هِيَ ثَابِتَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ فِي الْأَكْوَانِ مُتَحَيِّزَةٌ فِي التَّرَاكِيبِ وَالْأَدْوَارِ؟
فَأَقُولُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَنْفُسُ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَدْ هَبَطَتْ بِالِاخْتِيَارِ إِلَى عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ وَمُلَابَسَةِ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ كَالسَّلَاسِلِ وَالْأَصْفَادِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ فِي حُكْمِ الْعُقُولِ أَنْ تَخْتَارَ أَسْفَلَ سَافِلِينَ عَلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ؟ أَوْ تُؤَثِّرُ عَلَى مُصَاحَبَةِ الْأَبْرَارِ وَمُعَاشَرَةِ الْأَخْيَارِ وَسُكْنَى دَارِ الْقَرَارِ والتَّعلْعلُ بِشَوَائِبِ هَذِهِ الدَّارِ وَحُلُولُ دَارِ الْبَوَارِ وَسُلُوكُ دَرَكَاتِ النَّارِ في سَجِّينِ مَحَلِّ الْفُجَّارِ، أَمْ يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ أَنَّ الطَّائِرَ يَخْتَارُ عَلَى مَسْرَحِهِ فِي الْجِنَانِ وَالْعَرَاصِ سَجْنَهُ فِي الْأَقْفَاصِ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ؟
وَلَا أَقُولُ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْثِ وَالتَّعْلِيلِ وَطَلَبِ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ أَنَّ الْبَارِيَ غَضِبَ عَلَيْهَا فَعَاقَبَهَا بِالْأَجْسَامِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْأَوْعِيَةِ الطِّينِيَّةِ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْغَضَبِ، مَفِيضُ الْخَيْرِ وَالْجَمَالِ وَيَنْبُوعُ كُلِّ فَضِيلَةٍ وَكَمَالٍ.




