فَعَلَى هَذَا إنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ مِنْ الْجَهْلِ، وَأَنَّهُ الْجَهْلُ، وَقَدْ تُقَلَّبُ الْعِلَّةُ مَعْلُولًا بِالتَّسْمِيَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، كَمَا تَقُولُ: إنَّ التُّرَابَ مِنْ أَجْسَامٍ، فَعَلَى هَذَا تَقُولُ: إِنَّ إِبْلِيسَ أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ وَظُلْمَةٍ وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَكٍّ وَتَحَيُّرٍ وَكُفْرٍ.
وَقُولُهُ: لِمَ هِيَ؟
فَنَقُولُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(1).
وَقَوْلُهُ: وَمِنْ أَيْنَ كَانَ أَصْلُهَا؟ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الشَّكِّ وَالْجَهْلِ.
وَرَأْيُ الْحَكِيم: أَنَّ عِلَّةَ الشَّرِّ عَدَمُ الْخَيْرِ، أَوْ عَدَمُ قَبُولِ إفَاضَةِ الْخَيْرِ، إذْ كَانَ الْخَيْرُ مَتَى عَدِمَ كَانَ شَرًّا، فَمَتَى حَصَلَ فِي الْقُوَى مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ إفَاضَةِ الْخَيْرِ سُمِّيَ شَرًّا، كَالْعُمَى: إنَّمَا هُوَ عَدَمُ قَبُولِ صُوَرِ الْمُبْصِرَاتِ لِعِلَّةٍ فِي الْأَعْمَى لَا لِأَنَّ الْمُبْصِرَاتِ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً، وَكَالْجَهْلِ: إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَكَالْبَيْتِ الْمُظْلِمِ نَهَارًا: إنَّمَا هُوَ عَدَمُ إشْفَافِ(2) الْبَيْتِ، لَا لِأَنَّ النُّورَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.




