الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَالَمٌ صَغِيرٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ إلَى الْحَقِّ الْيَقِينِ، وَيُعْلَمُ أَنْ لَيْسَ الْوُجُودُ فِي الْبَارِي فَيَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ، وَلَا الْبَارِي فِيهِ فَيَكُونُ مَنْسُوبًا مِنْهُ.
كَمَا قَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: "لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ وَلَا عَنْهَا بِخَارِجٌ" وَمَعْنَاهُ لَيْسَ خَارِجٌ عَنْهَا فَيَكُونُ مَفْقُودًا وَلَا دَاخِلٌ بِكُلِّيَّتِهِ فَيَكُونُ مَنْبُوذًا فَهُوَ.
كَمَا قَالَ الْعَالِمُ عزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ الْأَسْوَسِ: "إنْ كَانَ اللَّهُ مُمَازِجًا لِلْأَشْيَاءِ فَهُوَ لَهَا شَكْلٌ، وَإِنْ كَانَ مُبَايِنًا فَهُوَ لَهَا ضِدٌّ، وَإِنْ كَانَ لَا مُبَايِنًا وَلَا مُمَازِجًا فَهُوَ مَجْهُولٌ، وَلَكِنِّي أُخْبِرُك أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهَا فِي نَفْسِ الْجَوْهَرِ وَالْقَدَمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَا أَقُولُ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهَا وَلَا ضِدَّ لَهَا، وَلَا أُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنَّ جَوْهَرَهُ مُفَارِقٌ لِلْجَوَاهِرِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا، وَلَا أَقُولُ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِهَا لِأَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، بَلْ هُوَ فِيهَا وَخَارِجٌ عَنْهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ فِيهَا لَا يُشْبِهُهَا، وَلَيْسَ كَوْنُهُ فِي كُلِّهَا لِأَنَّهَا ذَوَاتُ أَعْدَادٍ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا لَكَانَ مَنْ عَبَدَهُ بِكُلِّهَا مُصِيبًا وَكُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا أَصَابَ عَبَادَتُهُ، وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَوْ كَانَ عَنْهَا خَارِجًا لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يُجْهَلُ




