وإِنَّما أَوْرَدْتُ هَذا الفَصْلَ تَنْبِيْهَا إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تعالى «الَّذِي بَيَّنَهُ لأَوْلِيَائِهِ، كَى لا يَقِفَ السَّالِكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» عَنْ طَلَبِ الزِيادَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ الغَايَةَ فِي سَبَبِ ما حَصَلَ لَهُ مِنْها مَعَ وُجُوْدِ كُتُبِ مَشائِخِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَذَلِكَ فِي بَيانِ تَفَاوُتِ المَقاماتِ فِي العِلْمِ الإلهي، وأَنَّ كُلَّ أَدْنَى يَأْخُذُ عَنْ مَنْ فَوْقَهُ فَنَظَرْتُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ إِلَى مَنْ دُوْنِي مِنَ العَامِلِينَ عَلَى مَقَامِي مِنَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُحَدِّثَهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ امْتِثَالاً لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(1) لِتَشْتَدَّ بِذَلِكَ رَغْبَتُهُمْ فِي الوُصُوْلِ إِلَى مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ وَتَسْمُوَ هِمَّتُهُمْ إِلَى العَمَلِ عَلَى ما أنا عامِلٌ عَلَيْهِ عَلَى أَنِّي أَدْنَى الْمُؤْمِنِينَ مَقاماً، وأَقَلُّ العَارِفِيْنَ عِرفاناً، وَإِنَّمَا يَعْلُوْ مَقامِي عَلَى الطَّالِبِيْنَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا أَشُدَّهُمْ وَارْتِفَاعُ مَقامِي عَلَيْهِمْ فِي مُدَّةِ الطَّلَبِ فَقَطْ، فَإِذَا بَلَغُوا مَا بلَغْتُ، وصارَ اللاّحِقُ مِنْهُمْ سَابِقاً لِتَقْصِيرِيَ فِي العِلمِ، وقُصُوْرِ ذِهْنِي عَنِ الْفَهْمِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيْرِ تَجَاسَرْتُ عَلَى تَأْلِيْفِ هَذِهِ الرِّسالَةِ غَيْرَ جَاهِلٍ بِضَعْفِ عِباراتِي، وقِلةِ مادَّتِي، فِي إيضاح جَلِيْلِ مَا الْتَزَمَتُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ عَلَى العُلُوْمِ الحَقِيقِيَّةِ والأسْرارِ الدَّقِيْقَةِ الباطِنَة الخَفِيَّةِ، وأَعُوْذُ بِعِصْمَةِ مَوْلايَ العَلِيِّ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والتَّصْحِيْفِ فِيمَا أَوْرَدْتُهُ، بِمَا لَيْسَ لِي فِيْهِ عَمَلٌ سِوَى تَقْرِيْبٍ مَعَانِيْهِ بَلْ هُوَ مِمَّا نَقَلْتُهُ عَنِ المُوَحِدِيْنَ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمُؤْمِنِيْنَ، مُتَّبِعاً غَيْرَ مُبْتَدِعٍ فِي جُمْلَةِ أَصُوْلِ هَذِهِ الرّسالةِ، وأمَّا فُرُوْعُها لا أصُوْلُها، فَرُبَّما
1سورة الضحى – الاية 11




