والمَعْرِفَةُ بِهذا المَقامِ تَنْهَى مَنْ عَرَفَها مِنْ أَن يَصْرِفَ وَجْهَهُ عَنِ الكَلَامِ عَلَى ما وَهَبَهُ اللهُ مِنَ العِلمِ الإِلَهِي، ولَوْ كَانَ يَسِيْراً مِنْ كَثِيرٍ، لأَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرْتَبَةٍ سَماءٌ لِما دُونَها، أَرْضٌ لِما فَوْقَها، ولا سَبِيْلَ لِلسَّالِكِيْنَ إِلَى الوُصُوْلِ إِلَى سَمَاءِ المَعْرِفَةِ دُونَ العُرُوْجِ فِي الدَّرَجَاتِ المُتَوَسِطَةِ بَيْنَ دَرَجَتِهِ وبَيْنَ تِلْكَ الدَّرَجَةِ العُلْيا بِالْأُخْذِ عَنْ تَنَاهِي كُلِّ دَرَجَةٍ يُسْلَكُ فِيْهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ الخُطُوْطُ إِلَى مَبَادِيْها، وتَقِفَ العُقُوْلُ عِنْدَ بَارِيْها.
فَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْمَوْسُوْمِ بِالصِّراطِ فِي مَسالِكِ الْمُؤْمِنِيْنَ بَعْدَ خَلْعِهِمْ قُمُصَ التَّأْجِيْلِ وَاللُّحُوْقِ بِدَرَجَةِ اللَّاحِقِينَ قَوْلُ الْعَالِمِ عزَّ عِزُّهُ: "لا يَشْهَدُ السَّالِكُ عِنْدَ الوُصُوْلِ إِلَى رُتْبَةِ اللاحِقِينَ غَيْرَ نُوْرِ المُمْتَحَنِ، فَيُلْقِي إِلَيْهِ سِرّاً مِنْ عِلْمٍ الحَقِّ لَمْ يَمُرَّ عَلَى سَمْعِهِ فِي البَشَرِيَّةِ، فَإِذا ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَعَمِلَ بِهِ رُقِيَ رُتْبَةَ المُسْتَمِعِ، فَيَتَجَلَّى لَهُ الْمُخْلِصُ فَيُلْقِي إِلَيْهِ سِرّاً لَمْ يَسْمَعْهُ فِي دَرَجَةِ اللاحِقِ، فَإِذا ثَبَتَ عَلَيْهِ، وعَمِلَ بِهِ، رُقِيَ رُتْبَةَ السَّائِحِ، ثُمَّ لَمْ يَبْرَحْ يَرْقَى رُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ، ويَسْمَعُ سِرّاً بَعْدَ سِرٍ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى رُتْبَةِ الْمُقَرَّبِ وَهْيَ غايَةُ ما يَقْطَعُهُ العَارِفُ مِنَ الدرجاتِ العُلَى، وهْيَ سِدْرَةُ المُنْتَهَى الَّتِي عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى".




