اَلْبَابُ الرَّابِعُ في باطِنِ الصِيّامِ وَلَوازِمِهِ وأَشْخَاصِهِ
اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الصَّوْمِ مَوْضُوعٌ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلَى الإِمْسَاكِ عَنِ الكَلامِ، وَنَقَلَهُ الشَّرْعُ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الامْتِنَاعِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرابِ وَمُبَاشَرَةِ النِّساءِ، وَأَمَدُهُ ذَلِكَ مِنْ بَياضِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى غُرُوبِ قِرْصِها والفَرْضُ فِي ذَلِكَ مُدَّةُ شَهْرِ رَمَضانَ، وَنَفْلُهُ مَا شَاءَ المُسْلِمُ مِنْ غَيْرِ أَيَّامِ الأَعْدادِ والأَعْيادِ، وَأَحْكَامُهُ الظَّاهِرَةُ هِيَ غَيْرُ بِاطِنِهِ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَمَعْنَاهُ فِي الباطِنِ صَوْنُ سِرّ اللهِ، والصَّمْتُ عَنْ مُفَاوَضَةِ الجَاهِلِينَ فِيهِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ إِخْبارُهُ تَعَالَى عَنِ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ أُمِّ النُّوْرِ حِيْنَ قَالَتْ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيّاً﴾(1).
وهَذا مِمَّا يُشِيدُ بدَعْوَانَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الصَّمْتُ، وإِنَّما شُرِعَ التَّعَبُدُ بِهِ نهاراً، والنَّهَارُ عِبَارَةٌ عَنْ دَوْرِ الكَشْفِ الَّذِي لا يَجُوْزُ الصَّوْمُ فِيْهِ لِظُهُورِ الْحَقِّ واسْتِيلائِهِ عَلَى سُلْطَانِ الجَهْلِ بِالْعَدْلِ إِشَارَةً إِلَى التَّجَلِّي عِنْدَ اسْتِيْلاءِ سُلْطَانِهِ عَلَى الْأَرْضِ سَتَرَ نَفْسَهُ عَنِ الجَاهِلِينَ بِما أَظْهَرَهُ مِنَ الأسْتارِ الظُّلُمَانِيَّةِ، مِثْلَ




