بِالوَصْلِ، وَإِكْمَالُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا إِكْمَالاً لِسائِرِ المَعارفِ وأتَمّها وأعْلاها لأَنَّ فِيْهَا مَعْرِفَةَ الإِلَهِ الحَقِّ وَإِثْبَاتُ وَحْدَتِهِ، ونَفْيُ الشَّرِيْكِ لَهُ - تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُوْنَ.
«الإشارَةُ الخَامِسَةُ» في باطِنِ الصَّلاةِ والتَّوَجُهِ: اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ التَّوَجُّهِ هُوَ صَرْفُ وَجْهِ الْمُصَلِّي عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَوْضُعِ بِبَكَّةَ وَإِنَّما شَرَعَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ لإظهارِ التَّجَلِّي مِنْهُ وَإِشْراق نُورِ الرَّبِّ مِنْ جِهَتِهِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَيْتَ اللَّهِ، لأَنَّهُ أَظْهَرَ الوِلادَةَ بِهِ، جَلَّ مَنْ لا تَحْوِيْهِ الْأَفْكَارُ، ولا تُغَيِّرُهُ الأزْمِنَةُ والأَعْصارُ، وهُوَ دَلِيْلٌ عَلَى الحِجابِ الْأَعْظَمِ، وسَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي فَصْلِ الحَجِّ أَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ فَهُوَ قَطْعُ الْتِفَاتِ وَجْهِ المُصَلِّي لِغَيْرِ جهَتِهِ، وَذَلِكَ مِنَ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ إِلَى الخُرُوجِ مِنْهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلُ البَاطِنِ هُوَ صَرْفُ وَجْهِ الْمُصَلِّي فِي الحَقِيقَةِ، وَهُوَ العارِفُ بِصَلَاتِهِ وَهْيَ الْبَحْثُ فِي العُلُومِ الإِلَهِيَّةِ والأَسْرارِ الخَفِيَّةِ إِلَى جِهَةِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ باطِنُ الْبَيْتِ المُوْضُوعُ بِبَكَّةَ والوُقُوْفُ عِنْدَ مَا أَمَرَ بِهِ، والتَّسْلِيمُ إِلَيْهِ، والبابُ هُوَ صِفَةُ العِلْمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وكَما أَنَّ الْتِفَاتَ المُصَلِّي بِصُورَتِهِ إِلَى غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي شُرِعَ التَّوَجَّهُ إِلَيْهَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ، فَلِذَلِكَ الصَّلَاةُ البَاطِنَةُ يُبْطِلُ حُكْمُهَا الْتِفاتُ النَّفْسِ إِلَى غَيْرِ نَهْجِ الْعَقْلِ، لَأَنَّ كُلَّ ظَاهِرٍ مَشْرُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَى باطِنٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.




