مِنْ قِبَلِ أَنَّ الإِنْسانَ عَالَمٌ صَغِيْرٌ، نَمُوْذَجُ العَالَمِ الكَبِيْرِ، إِذْ لَيْسَ فِي العَالَمَيْنِ مِنَ اللَّطِيْفِ وَالكَثِيْفِ شَيْءٌ إلا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِيهِ، وَهُوَ الرُّتْبَةُ الوُسْطَى الجَامِعَةُ بَيْنَ الِضّياءِ والظُّلْمَةِ لِمُشَارَكَةِ الْحَيَوانِ بِمِزَاجِ جِسْمِهِ، ومُشارَكَةِ المَلائِكَةِ بِعَقْلِهِ وعِلْمِهِ، فَهْوَ فِي ظَاهِرِ البَاطِنِ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيْهِ الرُّوْحَانِيُّ والجِسْمانِيُّ، ولما كانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَجَبَ أَنْ يَعْرِفَ بِأَعْضَائِهِ وجَوَارِحِهِ ما قَابَلَها مِنَ العَالَمِ النُّوْرَانِي، وَإِنَّمَا دَلَّتِ الأَعْضَاءُ المَحْسُوْسَةُ عَلَى رُتَبِ غَيْرِ الْمَحْسُوْسَةِ بِالْحَقِيقَةِ لارْتِفاعِ الجِسْمِيَّةِ عَنْها مِنْ قِبَلِ الرُّتَبِ غَيْرِ المَحْسُوْسَةِ قَبْلَ حِكَايَةِ ذَوِي الإِحْساسِ لِنَواظِرِهِمْ بصِفاتِ ذَواتِها، وذَلِكَ فِي مَقاماتِ التَّجَلِّي، وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ العَالَمِ النُّوْرَانِي فِي الكَوْنِ حُكْمُ ذَلِكَ العُضْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهَا فِي البَدَنِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَا وَقَعَ بَيانُ تَخْصِيْصِهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِهِ، لئلا نَخْرُجَ عَنْ غَرَضِنَا فِي بَيانِ مَشْرُوْعِ العِبَادَاتِ دُوْنَ غَيْرِها، كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ، فَأَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ:
إِنَّ الْوَجْهَ دَلِيْلٌ عَلَى الحِجابِ الأولِ، الَّذِي هُوَ وَجْهُ الْأَزَلِ، ودَلالَةُ الوَجْه عَلَيْهِ مِنْ طَرِيْقِ أَنَّهُ نِقَابُ النَّفْسِ الَّتِي تَظْهَرُ مَعانِيها فِيهِ وَيَبْدُو كَمَالُهَا مِنْهُ والحِجابُ نِقَابُ الرَّبِّ وبَابُهُ الَّذِي ظَهَرَتِ الْقُدْرَةُ فِيْهِ وخَرَجَتْ صَنائِعُهُ مِنْهُ.




