الأبَدُ، وَثَمَرُها السَّرْمَدُ «وَهَذِهِ الرُّتَبُ الثَّلَاثُ» هِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا أَهْلُ التَّوْحِيدِ بِالمَعْنَى والاسْمِ والباب، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهَا الحُكَماءُ: بِالباري والعَقْلِ والنَّفْسِ وَهْيَ الَّتِي يُعْرَفُ بِمَعْرِفَتِها سائِرُ الأشياء، فَالمَعْنَى مِنْ هَذِهِ الرُّتَبِ الثَّلاثُ هُوَ الحَقُّ الأَوَّلُ الَّذِي ابْتَدَعَ الحِجَابَ الْأَوَّلَ، والحِجَابُ الأَوَّلُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ البَابَ، والبَابُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الأَيْتَامَ بِقُدْرَةِ المَشِيئَةِ الظَّاهِرَةِ فِيْهِ، وَكَذَلِكَ ظَهَرَتْ المَقَامَاتُ الخَمْسُ مِنَ العَالَمِ الكَبِيْرِ النُّوْرَانِي رُتْبَةً عَنْ رُتْبَةٍ، وَعَنِ الرُّتْبَةِ الْأَخِيْرَةِ تَكَوَّنَتْ سَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ مِمَّا دُونَهُمْ، وإِنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَعْرِفَ الْعَبْدُ الْوَسَائِطَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَارِيْهِ الحَقُّ، ولا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ المَقاماتِ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَتُهُ لَا تَصِحُ إِلَّا بِذَاتِهِ، وذاتُهُ لا تُعْرَفَ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ ورُؤْيَتُهُ لا تُمْكِنُ إِلَّا بِتَجَلَيْهِ، وتَجَلَّيْهِ لا يُدْرَكُ بِكَمالِهِ، لَأَنَّ التَّجَلِّي يَقَعُ بِحَسَبِ قَوَّةِ النَّاظِرِ إِلَيْهِ، ومَعْنَاهُ رَفْعُ الْحِجَابِ، حِجَابِ الظُّلْمَةِ عَنْ بَصَرِ المُبْصِرِ لِيَشْهَدَ مِنْ ذَاتِ الْمُتَجَلِّي عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فِي حَدَ عَجْزِهِ، وَكَلاَلِ بَصَرِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ نُورِ اللَّاهُوتِ مِنْ غَيْرِ تَغَيَّرٍ فِي ذاتِ المُتَجَلِّي بِحَرَكَةٍ تُوْجِبُ لَهُ الانْتِقَالَ عَنْ حَالِ بُطُونِهِ.




