اَلْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ العِبَادَةِ وَباطِنِها
اعْلَمْ أَيُّها الأخُ البَرُّ الرَّحِيمُ، أَنَّ لَفْظَ الْعِبَادَةِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُما الطَّاعَةُ والقِيامُ بِفَرائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي شَرَّعَ لِعِبَادِهِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ وَدُعَاتِهِ، والثَّانِي: المَعْرِفَةُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّوْحِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾(1) مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِي، وقَدِ انْقَسَمَ النَّاسُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَقْسامٍ لا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ شَرْحُها وَحَصْرُها، لأنَّها تَتَعَدَّدُ بِعَدَدِ السَّالِكِيْنَ إِلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَزُلْ وَلَنْ يَزُوْلَ، وذَلِكَ أَنَّ كُلاً مِنْهُمْ أَشارَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَلَمْ تَتَجَاوَزُ إشاراتُهُمْ حَدَّ عَجْزِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ والإحاطة مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِما شاءَ، وَلَنْ يَقَعَ التَّسَاوِي بَيْنَ الأَنْفُسِ البَشَرِيَّةِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ لاخْتِلافِ السَّوابِقِ فِي النَّشْأَةِ الأُولَى، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ تَساوِيْهِمْ فِي النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الحَقِّ، لَكِنْ تَرْجِعُ المَناظِرُ إِلَى أَصَوْلٍ يُمْكِنُ لنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَها عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍ عَلَى سَبِيْلِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا والدَّلالَةِ عَلَيْها، وإِنْ كَانَتْ ضِدَّ الحَقِّ فَالضِدُّ يُظْهِرُهُ ضِدُّهُ، لِئَلَّا يَشْتَكِلَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الضَّعِيْفِ، لَأَنَّ غَرَضَنا بذِكْرِها أَنْ نُوَضّحَ الحَقَّ فِي بَيَانِ بُطْلَانِهَا لِيُعْرَفَ الْحَقُّ إِذاً مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً مُجَرَّدَةً مِنَ البَاطِلِ، لِيَقَعَ التَّمْبِيْزُ بَيْنَهُما.




