الْمَحَجَّةِ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(1) وأبان دُعاءَهُ لهُم إلى الهُدى، وعَدَلَهُم عَنِ الضَّلالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهُدى﴾(2) فَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ صِدْقاً فِيمَا قَضَاهُ وعَدْلاً فِيمَا أَمْضَاهُ، وجَعَلَ العِلمَ والعَمَلَ جَوادَيْ التَّسَابُقِ فِي بُلُوغ غاياتِ اللَّذَّاتِ الرُّوْحَانِيَّةِ، وَالْجَهْلَ وَالكَسَلَ سَبَبَ السَّلُوكِ فِي أَلِيمِ العُقُوباتِ الجِسْمانِيَّةِ، وَلَمْ يَفْرِضْ ما فَرَضَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إِلَّا لَافْتِقَارِ الْمَخْلُوْقِيْنَ إِلَيْهِ ظاهراً وباطناً، فَإِنَّهُ فَرَضَ الفَرائِضِ لِتُعْرَفَ بِها الأشْياءَ، إذ لاَ سَبِيْلَ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الصَّنْعَةِ إِلَّا بَعْدَ إثباتِ الصَّانِعِ لَها، لأنَّها لَمْ تُوْجَدْ إِلَّا مِنْهُ، وَهُوَ صَانِعُ كُلِّ مَصْنُوعٍ، وقادِرُ كُلِّ مَقْدُوْرٍ، وَلا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الأشياءِ إِلَّا بِهِ، وفَرَضَ تَوْحِيْدَهُ لِيُفِيْدَ النُّفُوْسَ العِلْمَ بِوَحْدَتِهِ، وَيُزِيْلَ عَنْهَا ظُلْمَةَ الجَهْلِ بِهِ، وَفَرَضَ الإِيْمَانَ بِهِ فِي سِتْرِ غَيْبِهِ، لِيَحْصَلَ لَها بِذَلِكَ الخَلاصُ فِي مُشاهَدَةِ شَهَادَتِهِ وتَذْكِيْراً لِلنَّاسِ، وإرشاداً إلى عَلامَاتٍ مِنَ الْقُدْرَةِ القاهِرَةِ، والأنْوَارِ الباهِرَةِ وَفَرَضَ الإِسْلَامُ إِدْخالاً لِلنُّفُوسِ الشَّرِّيْرَةِ تَحْتَ أَوامِرِ الْأَنْفُسِ الْخَيْرَةِ لِيَقِلَّ شَرُّها، وتَنْكَسِرَ شَوْكَتُها، وفَرَضَ التَّصْدِيقَ بِمَلَائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، تَنْبِيْها لِلنُّفُوسِ عَلَى شَرَفِ مَقَامَاتِ أَهْلِ الطَّاعَةِ، وعِظَمِ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَهُ، لِيَأْتَمِرَ مَنْ دُوْنِهِمْ بأوامِرِهِمْ، وَيَنْتَهِيَ عَنْ نَواهِيْهِمْ، لِتَنْتَظِمَ أَحْوَالُ الوُجُودِ بِسُنَّتِهِمْ
1سورة النحل – الاية 118
2سورة فصلت – الاية 17




