اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فِي وُجُودِ الوُجُودِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّنِيْءِ والشَّرِيفِ والقَوِيِّ والضَّعِيْفِ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ، والإيمانِ والكُفْرِ، لِيَجْرِيَ ذَلِكَ فِي قِسْطَاسِ الْعَدْلِ إِلَى الدّانِي والقاصِي والمُطِيْعِ والعاصِي، وذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَ لِلْمُكَلَّفِيْنَ اسْتِطَاعَةً وَافِيَةً بِالتَّكْلِيْفِ وَقُدْرَةً عَلَى تَرْكِهِ، والشَّاهِدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَها﴾(1) لِقَطْعِ الْمَعْذِرَةِ فِي تَرْكِ الْقِيامِ بِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ التَّكْلِيْفَ إِتْماماً لِجُوْدِهِ عَلَى أَهْلِ وُجودِهِ، إِذا كَانَ النَّعِيمُ الدّائِمُ والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ مَنُوْطَيْنِ بِمَا كَلَّفَ اللَّهُ عِبَادَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، إِذْ بِهِ تَخْرُجُ النُّفُوسُ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُوْرِ العَقْلِ بِحقائق الأسْرارِ الإِلَهِيَّةِ والأشْخاصِ النُّوْرِيَّةِ المُمِدَّةِ بِقُواها لِنُفُوسِ الأَبْرارِ، وتِلْكَ هِيَ اللَّذَّةُ البَاقِيَةُ، والعِيْشَةُ الرَّاضِيَةُ، فَلِذَلِكَ كَانَ تَكْلِيفُ الْمَعْرِفَةِ تَمامَ الوُجُودِ لِمَا فِيْهِ مِنْ بُلُوْغْ كَمَالِ النُّفُوسِ الْمُمْكِنِ لَهَا الَّذِي لا يَحْصَلُ بِدُوْنِهِ، وَهَذَا التَّكْلِيفُ الأَوَّلُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي عَالَمِ الظَّلِّ وَالشَّبَحِ عِنْدَ وُقُوْعِ الاعتراض فِي الأخبارِ الصَّائِرَةِ إِلَى النُّفُوسِ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(2) وَهْيَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَبِتَجَرُّدِها عَنِ الأَجْسامِ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، بِقَوْلِهِمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾(3) والشَّكُ الواقع في
1سورة البقرة – الاية 286
2سورة البقرة – الاية 30
3سورة البقرة – الاية 30




