وَتَوْضِيحًا أَشْمَلُ وَوَاضِحٌ لِهَذَا الْقَوْلِ، نَقُولُ الْجَوْهَرُ الْبُخَارِيُّ الْمُشْرِقُ عَلَى الْبَدَنِ عِنْدَ الْمَوْتِ يَنْقَطِعُ ضَوْءُهُ عَنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَبَاطِنُهُ سَوَاءً، أَمَّا فِي وَقْتِ النَّوْمِ فَيَنْقَطِعُ عَنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ دُونَ بَاطِنِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ النَّوْمَ وَالْمَوْتَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْمَوْتَ هُوَ الِانْقِطَاعُ الْكُلِّيُّ وَالنَّوْمُ هُوَ الِانْقِطَاعُ النَّاقِصُ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَادِرَ الْحَكِيمَ دَبّرَ تَعْلِيقَ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ بُلُوغَ ضَوْءِ النَّفْسِ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ فَهُوَ الْيَقَظَةُ، الثَّانْي: وَإِنَّ انْقِطَاعَ ضَوْءِهَا عَنْ ظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ فَهُوَ النَّوْمُ الثَّالثْ: وَإِذَا انْقَطَعَ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ الْمَوْتُ لَا مَحَالَة.
النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ: هِيَ الَّتِي تَمِيلُ إِلَى الطَّبِيعَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَتَأْمُرُ بِالْمِلْذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ الْحِسّيَّةِ وَتَجْذِبُ الْقَلْبَ إِلَى الْجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، فَهِيَ مَأْوَى الشُّرُورِ وَمَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَاصِلُهَا وَمَعْدِنُهَا هُوَ الثَّانِي لَعْنَةُ اللَّهِ.
النَّفْسُ الْقُدْسِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي لَهَا مَلَكَةُ اسْتِحْضَارُ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ، وَيُمَكِّنُ لِلنَّوْعِ أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَقِينِيٍّ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْحَدْسِ، وَالْحَدْسُ هُوَ سُرْعَةُ انْتِقَالِ الذِّهْنِ مِنْ الْمَبَادِئ إِلَى الْمَطْالِبِ، يُقَابِلُهُ الْفِكْرُ وَهُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْكَشْفِ.




