فَقَدْ بَيَّنَ الْمُفَارَقَةَ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، إِذْ أَنَّ قَوْلَهُ "الْبَدَنُ صِفَةُ فِعْلٍ لَا صِفَةُ ذَاتٍ" أَيْ أَنَّ النَّفْسَ سَاذِجَةً بَسِيطَةً شَفَّافَةً لَطِيفَةً، وَالْبَدَنُ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ مُظْلِمٌ وَمُركَبٌ وَمَعْدِنُهُ التُّرَابُ، وَالطَّبِيعَةُ عَنَاصِرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ "لَا صِفَةُ ذَاتٍ" فَمَنْ كَانَ مِنْ الذَّاتِ لَهُ صِفَةُ فِعْلٍ بَلْ هُوَ مِنْهُ وَلَيْسَ غَيْرَهُ وَهُوَ هُوَ مِثْلُ قَوْلِنَا: "نُورُ الذَّاتِ هُوَ الذَّاتُ".
وَعِنْدَ كُلِّ الْعَارِفِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ نُورَ الذَّاتِ لَيْسَ غَيْرَ الذَّاتِ وَلَوْ كَانَ النُّورُ غَيْرَ الذَّاتِ لَكَانَ النُّورُ فَعَلٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ الْفَاعِلِ، وَإِنَّ تَرْكِيبَ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى إِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ، وَنُورُ الذَّاتِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَدَاثَةِ، بَلْ هُوَ قَدِيمٌ لَا يُدْرَكُ وَ غَيْرُ مَسْبُوقٍ، وَلَا يُقَالُ لِنُورِ الذَّاتِ فِعْلُ الذَّاتِ، بَلْ نُورُ الذَّاتِ هُوَ الذَّاتُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمِثَالِ عَدَمُ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "الْبَدَنُ صِفَةُ فِعْلٍ" وَالْفِعْلُ غَيْرُ الْفَاعِلِ لِأَنَّ الْعَمَلَ مِنْ الْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْم مِنْ الْعِلَّةِ.
فَتَنَبَّهْ لِدِقَّةِ الْمِثْلِ فَهُوَ مِنْ الْفَوَائِدِ السَّارَّةِ، وَقَدْ جَاءَ تَعْرِيفُ النَّفْسِ فِي عَشَرَةِ أَوْجُهٍ يَبِيِّنُ فِيهَا خَصَائِصَهَا وَأَحْوَالَهَا وَلَهَا أَوْصَافٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَخَصَائِصُ كَثِيرَةٌ وَغَزِيرَةٌ نَمُرُ عَلَى ذِكْرِهَا بِإِيجَازٍ لِتَذْكِيرِ الْفَائِدَةِ وَالتَّسْمِيَةِ:




