ومن هنا نفهم أن تجليه سبحانه ليس بمعنى أنه كان محتجباً بحجاب يمنع رؤيته، وإنما هو رفع حجاب الظلمة عن أبصار العباد المحجوبين عن رؤية باريهم بدليل قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(1)
وحجاب الظلمة الذي رفعه الله عن أبصار الناظرين ليس هو حجاباً محسوساً يمنع الرؤية كالحجاب الذي يفصل بين شيئين، وإنما هو حجاب الوقفة والغفلة والمعصية، وحجاب الذنوب الذي ران على القلوب، لقول مُولَانَا الصَّادِقِ عَز عِزهُ عندما سُئل: هل يحتجب الله بشيء؟ فقال: " لَا شَيْءَ أَكْبَرَ مِنْهُ فَيَحْجُبُهُ وَإِنَّمَا احْتَجَبَ الْعِبَادَ عَنْهُ بِالْخَطِيئَةِ مِنْهُمْ " ورفع هذا الحجاب عنهم بمعنى أنه سبحانه أمكنهم من رؤيته، فرأوه عياناً بياناً ظاهراً لهم بذاته.
ولكن لسائل أن يسأل كيف رأى العباد باريهم عندما أمكنهم من رؤيته؟ فالباري سبحانه نور محض مجرد قال تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(2) ولكن العباد رأوه عندما تجلى لهم بشراً مثلهم بصورة كصورهم وجسم كأجسامهم، يجري عليه ما يجري على سائر المخلوقين من أكل وشرب وعجز ومرض وموت ونوم، فما هو السبب الذي جعل العباد يرون باريهم ذلك النور المجرد الباهر العظيم بشراً مثلهم؟




