المجرد عن كل نسبة وإضافة فنضرب مثلاً أولاً: فلو نظرنا إلى نبع ماء غزير يفور بقوة ويفيض باستمرار، فماذا نرى من ذلك النبع؟ إن شدة حركة مائهُ المتدفقة من الداخل إلى الخارج تبدي على سطحه زبداً أبيض متحركاً، إن هذا الزبد يحجب عنا حقيقة الماء فإذا أردنا رؤية الماء نفسه امتنع علينا ذلك، لأنه محجوب عنا بمظهرين: مظهر الحركة ومظهر الزبد وإدراكنا الحسي واقع على الزبد وحركة الماء، وهما عرضيان بالنسبة للماء، لا جوهريان، أي نقول: نحن نرى عرضي الماء صورة، ولكن هل هذا الزبد المتحرك غير الماء؟ أليس هو الماء ذاته جوهراً وحقيقة؟ إنه الماء ذاته ولا شك، فيكون إدراكنا الحسي واقعاً على صورة ولكن هذه الصورة هي الماء الباطن في النبع ذاته، ولو كان الزبد غير الماء لما أدركنا الماء مطلقاً فالماء إذن محتجب بالزبد المتحرك، وهو ذاته.
وهكذا إذا نظرنا الى الباري تعالى وهو النور المجرد، نراه من خلال نوره وضيائه، فنحسب أن ما نراه غيره، ولكننا في الحقيقة نرى حقيقة البطون فالغيب الذي لا يُرى ليس إلا شدة حركة الظهور بالنور، أو هو شدة إفراطه كما عبروا عنه، فالنور المجرد بمثابة النبع العظيم الكامن اللامرئي، ونوره بمثابة الحركة البادية على سطح الماء، وضياؤه بمثابة الزبد




