وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ مَنْ عَرَفَ تِلْكَ الْحَقَائِقَ الْإِلَهِيَّةَ وَمَا أَشْرَقَ عَنْهَا مِنْ مَظَاهِرَ عَقْلِيَّةٍ وَلَطَائِفِ رُوحَانِيَّةٍ وَمَا ظَهَرَ عَنْ تِلْكَ اللَّطَائِفِ مِنْ طَبَائِعَ مُرَكَّبَةٍ وَمَا كَانَ عَنْ تِلْكَ الطَّبَائِعِ مِنْ حَوَاسَّ وَكَثَائِفَ بَدَنِيَّةٍ وَمَا لِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ جُنُودٍ وَأَعْوَانٍ وَعَرْفُ مَا هِيَ الصِّلَةُ بَيْنَ تِلْكَ اللَّطَائِفِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْكَثَائِفِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ مُتَضَادَّاتٌ وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَهْلٌ وَبَنُونَ وَلِأَهْلِهِمَا وَبَنِيهِمَا صِفَاتٌ وَأَفْعَالٌ مُتَخَالِفَاتٌ مُتَضَادَّاتٌ وَعُرْفَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا، فَقَدْ عُرَفَ الْمَحْمُودُ مِنْ الْمَذْمُومِ وَانْجَلَى لَهُ عَالِمُ الصَّفَاءِ مِنْ عَالِمِ الْكَدَرِ.
لِقَوْلِ ابْنِ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللَّهُ وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ جَمَعَ فِيهِ الْحَكِيمُ عِلَّةَ الْبَدْءِ وَالِانْقِضَاءِ وَمَاهِيَّةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي عَنْ أَصْلِهِ كَانَتْ الْأَشْيَاءُ وَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي أَرَادَ، وَبِإِرَادَتِهِ كَانَ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ الْحِجَابُ وَبِإِرَادَةِ الْعَقْلِ كَانَتْ النَّفْسُ الْبَسِيطَةُ الَّتِي هِيَ الْبَابُ حَقّاً، وَمِنْ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ الْبَابُ كَانَتْ الطَّبَائِعُ الْمُفْرَدَةَ وَهِيَ الْأَشْخَاصُ الْعَالِيَةُ الَّتِي تَوَلَّدَتْ عَنْهَا الطَّبَائِعُ الْمُرَكَّبَةُ، وَبِهَذَا نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ الرُّوحَانِيَّةِ خُلِقَتْ مِنْ طَبَائِعِ النُّورِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَائِمٌ مَا بَيْنَ لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ مَا بَيْنَ حِسّ وَعَقْلٍ، فَالْعَقْلِيَّةُ مَا كَانَ وَجُودُهَا مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، وَالْحِسِّيَّةِ مَا كَانَ وُجُودُهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي هِيَ: "السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ" هِيَ الَّتِي تُفِيدُ النَّفْسَ عِلْمَ الْمَحْسُوسَاتِ وَأَنَّ لِهَذِهِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ




