وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فَقِيهٌ عَصَرَهُ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدَ قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي رِسَالَتِهِ غَنِيمَةَ السَّفَرِ حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذِهِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ مِثَالٌ أَبْطَنُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ يُعَبِّرُ عَنْ لَطَائِفِ قَوَانِينِ الْوُجُودِ فِي الْبَحْرِ الْمَغْمُودِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، فَالْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ هِيَ مَعْرِفَةُ الصُّوَرِ الْمُجَرَّدَةِ الْمُفَارِقَةِ لِلْهَيُولَى وَمَبْدَأُ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ مُدْرَكَاتٌ عَقْلِيَّةٌ تَتَكَوَّنُ فِي مَجْمُوعِهَا مِنْ حَقَائِقَ كُلِّيَّةٍ يَسْتَخْلِصُهَا الْعَقْلُ.
لِقَوْلِ بْنِ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللَّهُ: وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالْمَقْصُودُ بِهَا مَدْلُولَاتُهَا فَمِنْهَا أَنْوَارٌ وَبَسَائِطُ مُجَرَّدَاتٌ، وَمِنْهَا كَثَائِفُ وَمَحْسُوسَاتٌ مُدْرَكَاتٌ فَالْكَثَائِفُ وَالْمَحْسُوسَاتُ آلَةٌ لِلتَّعْرِيفِ وَالْفَهْمِ وَأَنَّ التَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيلَ وَاقِعٌ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَمَعْقُولَاتِهَا أَعْنِي مُجَرَّدَاتِهَا هِيَ الْبَاقِيَةُ، لِأَنَّ الْكَثَائِفَ أَعْرَاضٌ وَالْمَعْقُولَاتُ جَوَاهِرُ، وَلِذَلِكَ صَارَ التَّوَصُّلُ مِنْ الْحِسِّ وَهُوَ الْبَدَنُ إِلَى الْأَشْرَفِ وَهُوَ النَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَقَدْ قِيلَ لَا يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ مِنْ نُورِهِ الْخَاصِّ بُدَّاً لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ تَامَّةً إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولَاتِ وَالْأَنْوَارِ الْمُجَرَّدَاتِ، لِأَنَّ الْمَحْسُوسَاتِ أَعْرَاضٌ وَالْأَعْرَاضُ زَائِلَةٌ لَا يُقَالُ لَهَا جَوَاهِرُ لِأَنَّ الْجَوْهَرَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ فِي حَقِيقَةِ وُجُودِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَالْأَعْرَاضُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْجَوَاهِرِ فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ لَا تَكُونُ بِالشَّيْءِ الزَّائِلِ وَإِنَّمَا بِالشَّيْءِ الثَّابِتِ الدَّائِمِ لِأَنَّ الْجَوْهَرَ دَائِمٌ بِدَوَامِ مُبْدِيهِ وَالْعَرْضُ فَإِنٌّ فَاسِدٌ، وَالْجَوْهَرُ لَا يَتَغَيَّرُ.




