وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَالظِّلَالِ وَالصُّوَرِ وَالطَّبَائِعِ وَالْأَرْكَانِ تَفَرَّعَتْ وَانْعَقَدَتْ عَنِ الْمَظَاهِرِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي هِيَ: "الْمَشِيئَةُ وَالْفِطْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ" لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى مِثَالِ الصُّورَةِ الْجَامِعَةِ لِلصُّوَرِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ بَعْدَ أَنْ سَطْحَ السُّطُوحَ وَالظِّلَالَ الْمَسْلُوخَةَ عَنْ ظِلَالِ الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا "بِالْعَقْلِ وَالنَّفْسِ وَالْكَلِمَةِ وَالصُّورَةِ" وَالرُّوحِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْإِيمَانِ الْمُسَمَّاةُ بِالنَّفْسِ، مَخْلُوقَةٌ مِنْ سَنَاءِ الْجَوْهَرِ الْفَائِضِ عَلَيْهِ إِشْرَاقُ كَوْنِ الْمِيمِ، وَأَنَّهَا سُمِّيَتْ نَفْسٌ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ مَا فِي الْإِنْسَانِ وَالصُّورَةُ الْكُلِّيَّةُ مُحَرِّكَةٌ لِلصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ وَمِنْهَا أَرْوَاحُهَا لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا "بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةُ" هِيَ حَقِيقَةُ سِرِّ الْوُجُودِ وَأَصْلُ كُلِّ مَوْجُودٍ وَهِيَ السَّبَبُ فِي بَقَاءِ الْخَلْقِ وَفِنَائِهِ "فَالْحَرَارَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالْيَبُوسَةُ" هِيَ الْأُصُولُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ مَظَاهِرُ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ فِي عَالَمِ الْأَكْوَانِ، لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ مَظْهَرُ "الْحَيَاةِ" وَالْبُرُودَةُ مَظْهَرُ "الْعِلْمِ" وَالْحَرَارَةُ مَظْهَرُ "الْإِرَادَةِ" وَالْيُبُوسَةُ مَظْهَرُ "الْقُدْرَةِ" لِأَنَّ ظُهُورَ كُلِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مَظْهَرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَظَاهِرِ هِيَ آيَةٌ لَهُ يَعْرِفُهُ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّهُ لَابُدَّ لِهَذِهِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ مِثَالٍ عَلَوِيٍّ قَدِيمٍ قَامَتْ مِنْهُ الْعَوَالِمُ الْعَلَوِيَّةُ وَعَمِّرَتْ أَبْدَانُهُمْ، كَمَا كَانَ قِيَامُ الْأَجْسَامِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ نَشْأَتِهِمْ وَوُجُودِ أَبْدَانِهِمْ.




