وَاعْلَمْ إِنَّ الرُّوحَ هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَفَاضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ فَأَوْجَدَ بِهَا الْمَوْجُودَاتِ وَاظْهَرْ بِهَا الْكَائِنَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(1)
وَلِهَذَا كَانَ جَبْرَائِيلُ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ مُظْهِراً لِصِفَتَيْ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، فَمِنْ حَيْثُ بَاطَنَهُ الَّذِي هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ كَانَ مُظْهِراً لِصِفَةِ الْعِلْمِ، وَمِنْ حَيْثُ ظَاهِرُهُ الَّذِي هُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ كَانَ مُظْهِراً لِصِفَةِ الْقَوْلِ.
فَتَنَبَّهْ لِهَذَا السِّرِّ، لِأَنَّ جَبْرَائِيلَ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ هُوَ مُظْهِرٌ مِنْ الْمَظَاهِرِ الْإِلَهِيَّةِ وَصُورَةٌ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي أَظْهَرَهَا الْبَارِي تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ لِقَبُولِ التَّجَلِّي الْإِلَهِيِّ الدَّائِمِ الَّذِي مَا زَالَ وَلَمْ يَزَلْ ظَاهِراً لِإِظْهَارِ الْحِكْمَةِ، وَإِبْدَاءِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ سِرُّ الْوُجُودِ وَزُبْدَةُ امْتِخَاضِ الْكَوْنِ وَهُوَ مَظْهَرُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي كَانَ بِهَا الْوُجُودُ وَالظُّهُورُ وَالْحَيَاةُ وَالْمَمَاتُ، فَالْعِلْمُ الْمُشْرِقُ عَنْ الْبَابِ الْمُوحَي إِلَيْهِ مِنْ الْحِجَابِ هُوَ بَاطِنُ الْقَوْلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْقَوْلُ الْبَادِي مِنَ الْبَابِ هُوَ ظَاهِرُ الْعِلْمِ وَصِفَتُهُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ وَالنُّطْقِ بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّ الْبَابَ يَتَلَقَّى الْوَحْيَ مِنَ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْحِجَابِ الَّذِي إِنْبَجِسَ عَنْهُ نُورُ الْبَابِ وَجَمِيعُ الْأَنْوَارِ عَنِ الْبَابِ ظَهَرَتْ وَفِيهِ اسْتَتَرَتْ وَهُوَ النُّورُ الْقَاهِرُ




